ويسلط عليكم عدوكم ، وإني أخبركم أن قوما أظهروا للناس أنهم إنما يدعونني إلى كتاب الله
تعالى والحق ، فلما عرض عليهم الحق رغبوا عنه وتركوه ، وطال عليهم عمري ، واستعجلوا
القدر بي ، وقد كانوا كتبوا إليكم ، أنهم قد رضوا بالذي أعطيتهم ، ولا أعلم أني تركت من الذي
عاهدتهم عليه شيئا ، وكانوا زعموا أنهم يطلبون الحدود ، وترك المظالم ، وردها إلى أهلها ،
فرضيت بذلك ، وقالوا : يؤمر عمرو بن العاص ، وعبد الله بن قبس ، ومثلهما من ذوي القوة
والأمانة ، وكل ذلك فعلت ، فلم يرضوا ، وحالوا بيني وبين المسجد ، فابتزوا ما قدروا عليه
بالمدينة وهم يخيرونني بين إحدى ثلاث : إما أن يقيدوني بكل رجل أصبت خطأ أو عمدا ، وإما
أن أعتزل عن الأمر ، فيؤمروا أحدا ، وإما أن يرسلوا إلى من أطاعهم من الجنود وأهل
الأمصار ، فأرسلوا إليكم فأتيتم لتبتزوني من الذي جعل الله لي عليكم من السمع والطاعة ، فسمعتم
منهم ، وأطعتموهم والطاعة لي عليكم دونهم ، فقلت لهم : أما إقادة من نفسي فقد كان قبلي خلفاء ،
ومن يتول السلطان يخطئ ويصيب ، فلم يستقد من أحد منهم ، وقد علمت أنهم يريدون بذلك
نفسي ، وأما أن أتبرأ من الأمر ، فإن يصلبوني أحب إلي من أن أتبرأ من جنة الله تعالى وخلافته
بعد قول رسول الله صلى الله عليه وسلم لي : يا عثمان ، إن الله تعالى سيقمصك قميصا بعدي ،
فإن أرادك المنافقون على خلعه فلا تخلعه حتى تلقاني ، ولم أكن استكرهتهم من قبل على السمع
والطاعة ، ولكن أتوها طائعين ، ييتغون بذلك مرضاة الله ، وصلاح الأمة ، ومن يكن منهم
يبتغي الدنيا فلن ينال منها إلا ما كتب له ، فاتقوا الله ، فإني لا أرضى لكم أن تنكثوا عهد الله ،
وإني أنشدكم الله والإسلام ألا تأخذوا الحق ولا تعطوه مني ( وما أبرئ نفسي إن النفس لأمارة
بالسوء ، إلا ما رحم ربي ) وإني عاقبت أقواما ، وما أبتغي بذلك إلا الخير ، وإني أتوب إلى الله
من كل عمل عملته ، وأستغفره ، أما والله لقد علمتم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :
لا يحل دم امرئ مسلم إلا في إحدى ثلاث : الردة عن الإسلام ، والزنا بعد الاحصان ،
ولا والله ما كان ذلك مني في جاهلية ولا إسلام ، أو رجل قتل رجلا فيقاد به . فقال بعضهم :
إنه ليقول مقالا . وقال آخر : لئن سمعتم منه ليصرفنكم ، فأبوا ، ورموه بالسهام ، واستقبلوه بما
لا يستقبل به مثله ، ثم أشرف عليهم عبد الله بن سلام ، وكان من أهل الدار ، فقال : يا معشر
من حاصر دار عثمان من المهاجرين والأنصار ، ممن أنعم الله عليهم بالإسلام ، لا تقتلوا عثمان
فوالله إن حقه على كل مؤمن لحق الوالد على ولده ، ووالله إن على حوائط المدينة اثنى عشر
ألف ملك منذ أن أمد الله بهم نبيكم صلى الله عليه وسلم ، ووالله لئن قتلتموه ليسخطن
عليكم ربكم ، ولتتفرقن ملائكته عنكم وليقتلن بقتله أقواما هم في الأصلاب وما خلقوا في الأرحام
وإني لأجده في التوراة التي أنزل الله على موسى عليه السلام ، وكتب بيده عز وجل إليكم بالعبراني وبالعربي
خليفتكم المظلوم الشهيد والذي نفسي بيده لئن قتلتموه لا تؤدي بعده طاعة إلا عن مخافة ، ولا توصل رحم
الإمامة والسياسة المعروف بتاريخ الخلفاء — صفحة 43
مساهمون: ابن قتيبة الدينوري
ص٤٣