وأشار عنبسة أن يبيته ، فقال الحجاج : أصبت ، أصاب الله بك الخير ، وما الأمر
إلا النصيحة ، والرأي شعوب ، فمخطئ منها أو مصيب ، غدا الاثنان ، فصوموا
ونصوم ، واستعينوا الله بالخيرة ، ونبيتهم الليلة المقبلة ، ليلة الثلاثاء ، فسوف
أترجل ، ويترجل أهل مودتي ونصيحتي ، من ولدي وغيرهم . ففعل : وأصبح
صائما ، وبيتهم ليلة الثلاثاء وهو يقول : اللهم إن كان الحق لهم فلا تمتنا على الضلالة ، وإن كان الحق لنا فانصرنا عليهم ، فحمل عليهم والنيران توقد ،
فأصاب منهم ، وأصيب منه ، وانهزم ابن الأشعث في سواد الليل ، وأصاب
الحجاج عسكره ، وأسر سعيد بن جبير ، وأفلت عامر بن سعيد الشعبي مع ابن
الأشعث ، فلما أتي الحجاج بسعيد بن جبير . قال له : ويحك يا سعيد ! أما
تستحيي مني ؟ ومدك الشيطان في طغيانك ، ألا استحيت من المراقب لي ولك
والحافظ علي وعليك ؟ فقال : أصلح الله الأمير ، وأمتع به ! هي بلية وقعت ،
وعذاب نزل ، والقول كما قال الأمير ، وكما نسبه به وأضافه إليه ، إلا أني أتيت
رجلا قد أزهى وطغى ، ولبسته الفتنة ، وركب الشيطان كتفيه ، ونفث في صدره ،
وأملى علي لسانه فخفته واتقيته بالذي فعلت ؟ فإن تعاقب فبذنب ، وإن تعف
فسجية منك . فقال له الحجاج : فإنا قد عفونا عنك ، وسنردك إليه تارة أخرى
ثم كتب كتابا ، ووجهه مع سعيد بن جبير إلى عبد الرحمن ، فلما كان سعيد
ببعض الطريق ، خرق الكتاب . وقدم عبد الرحمن فأخبره ، فنفر عبد الرحمن ،
وخرج موائلا إلى أهل البصرة ، وقد قدمت عليه كتبهم ، بستبطئونه ويستعجلونه
حتى قدم عليهم ، وبلغ ذلك الحجاج فسبقه إلى البصرة فدخل الحجاج المسجد
متنكبا قوسا ، فصعد المنبر ، فحمد الله وأثنى عليه ، وحرض الناس على قتال ابن
الأشعث ، وحضهم على طاعة عبد الملك ، وتكلم رجل من أهل البصرة ، يقال له
سلمة المنقري من بني تميم ، وكان رجلا منطقيا ، وله هوى في الخوارج ، وكان
الحجاج به خابرا . فلما رآه عرف أنه يريد الكلام . فقال له : ادن يا سلمة ،
فدنا . فقال له : قل : رضينا بالله ربا ، وبمحمد نبيا ، وبالإسلام دينا ، وبالقرآن
إماما ، وبأمير المؤمنين خليفة ، وبالحجاج بن يوسف واليا . قال : والله لو كنا
زمعا ( 1 ) وبني زمع ما رضينا أن نكون تبعا لهذا الحائك ، أمير المؤمنين أعزه الله ،
هامش
( 1 ) زمع : رذال الناس وأتباعهم ، الجمع أزماع ، يقال هو من زمعهم أي من مآخيرهم ( اللسان ) .