وسعيد بن عمرو الجرشي على القلب ، وعبد الرحمن بن عبد الله العكي ( 1 ) على
ميسرته ، فأعطى الناس على هذا وأقام في معسكره متربصا ومنتظرا ليوم
الأربعاء . فلما رأى ابن الأشعث أنه لا يتقدم لقتاله ، وأنه متربص ليوم الأربعاء ،
بعث رجلا من معسكره ، حتى دنا من معسكر الحجاج ، فنزل قريبا منه ، على
مقدار حضر ( 2 ) الفرس ، رجاء أن يتحرش له أحد من معسكر الحجاج ، فينشب
القتل قبل يوم الأربعاء ، فرارا منه ، وتطيرا به . فلما رأى الحجاج ذلك علم ما
أراده والذي توقع ، فتقدم إلى أمراء أجناده وقواده ، وإلى أهل عسكره عامة ، ألا
يكلم أحد منهم أحدا من عسكر ابن الأشعث ، ولا يعرضه على نفسه ، وإن
أمكنته الفرصة منه إلا يوم الأربعاء ، فلما كانت صبيحة يوم الأربعاء ، وهو يوم
يتطير به أهل العراق ، فلا يتناكحون ، ولا يسافرون فيه ، ولا يدخلون من سفر ،
ولا يبايعون فيه بشئ ، ولا بالبغل الأغر الأشقر . قال : فدعا الحجاج ببغلة شقراء
محجلة ، فركبها خلافا لرأيهم ، واستشعارا بطيرتهم ، وتوكلا على الله ، ونادى
مناديه في عسكره : أن انهضوا إلى قتال ابن الأشعث ، وأمر خاصته فركبوا معه ،
وقدم رجالته ، وأخر خلفه مقاتلته ، حتى إذا كانوا من عسكر ابن الأشعث على
مثال الأسهم وقف فصف أصحابه وعبأهم للقتال ، وفعل مثل ذلك ابن الأشعث ،
وترجل الحجاج وخاصته ، ووضع له منبرا من حديد ، فجلس عليه وترامى
الناس ، حتى إذا كاد القتال ينشب ، خرج رجل من أصحاب ابن الأشعث وهو
ينادي : ألا هل من مبارز ؟ فقام إليه عنبسة بن سعيد القرشي وهو يمشي مشية قد
لامه الحجاج عليها ، وكرهها له . فلما رآه الحجاج وهو يمشي تلك المشية ، قال
الحجاج : ظلمتك يا عنبسة ، لو كنت تاركها يوما من دهرك لتركتها يومك هذا .
فلما دنا من الرجل ، قال له عنبسة : فمن أنت يا منتخي ؟ فقال : رجل من بني
تميم ، ثم من بني دارم ، فحمل عليه عنبسة ، فبدره بالضربة فقتله ، ثم انصرف
إلى مجلسه فجلس ، وقد تبين للناس حسن صنعه ، ثم زحف الفريقان بعضهم
إلى بعض ، واشتد قتالهم ، وانتحى سفيان على مركزه لم يرم ، والجرشي على
مركزه لم يرم ، وكانت ميلتهم على الميسرة ، فنحوا عبد الرحمن العكي . فلما رآه
هامش
( 1 ) أنظر في تعبئة الحجاج لجيشه وتوزيع قواده وأسمائهم الطبري 6 / 83 وابن الأثير 3 / 150
البداية والنهاية 9 / 51 .
( 2 ) حضر الفرس : جريه السريع ، أي على مسافة يقطعها الفرس سريعا بحيث يراه من خلفه .