فبلغ أهل البصرة ما صنع أهل الكوفة ، فاجتمعوا وأخرجوا الرايات ، فلم يبق أحد
إلا خرج ، وذلك لسوء آثار عبيد الله بن زياد فيهم ، يطلبون قتله . ثم قام ابن أبي
ذؤيب فقال : يا هؤلاء من ينصر الله ينصر الكعبة ، من يغار على ابن سمية ،
سارعوا أيها الناس إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض ،
واجتنبوا هذه الدعوة ، وأقيموا أود هذه البيعة ، فإنها بيعة هدى ، فإنه من قد
علمتهم عبد الله بن الزبير حواري رسول الله صلى الله عليه وسلم وابن عمته
وابن أسماء بنت أبي بكر الصديق ، أما والله لو أن أبا بكر علم أنه بقي على
الأرض من هو خير منه وأولى بهذه البيعة ، ما مد يده ، ولا نازعته إليها نفسه ، أما
والله لقد علمتم ما أحد على وجه الأرض خير ولا أحق بها إلا هذا الشيخ
عبد الله بن عمر ، المتبرئ من الدنيا ، المعتزل عن الناس الكاره لهذا الأمر ، ثم
خرجت الخوارج من سجون عبيد الله بن زياد ، واجتمعوا على حدة ، والقبائل كل
قبيلة في المسجد معتزلة على حدة ، وعبيد الله بن زياد في القصر ، وقد أخذ
بأبوابه وقد تمنع أن يدخل القصر أحد ، وقد أخذت العرب بأفواه السكك
والدروب ، وكان عبيد الله أول من جفا العرب ، وأخذ منهم المحاربة اثني عشر
ألفا ليعتز بهم ، فوالله ما زادوه إلا ذلا ، فلما رأى ذلك عبيد الله بن زياد لم يدر
كيف يصنع ، وخاف تميما وبكر بن وائل أن يستجير بهم ولم يأمن غدرهم ،
فأرسل إلى الحارث بن قيس الجهمي ( 1 ) من الأزد ، فدخل عليه الحارث ، فقال :
يا حارث ، قد أكرمتم زيادا ، وحفظتم منه ما كنتم أهله ، وقد استجرت بكم ،
فأنشدكم الله في . قال الحارث : أخاف أن لا تقدر على الخروج إلينا ، لما أرى
من سوء رأي العامة فيك من سوء آثارك في الأزد . قال : فتهيأ عبيد الله ، فلبس
لبس امرأة في خمرتها وعقيصتها ، فأردفه الحارث خلفه ، فخرج به على الناس
فقالوا : يا حارث ما هذه ؟ قال : تنحوا رحمكم الله ، هذه امرأة من أهلي ، كانت
زائرة لأهل ابن زياد ، أتيت أذهب بها . فقال عبيد الله للحارث : أين نحن ؟ قال :
في بني سليم ، فقال : سلمنا الله . قال : ثم سار قليلا ، ثم قال : أين نحن ؟ قال :
في بني ناجية من الأزد ، قال : نجونا إن شاء الله ( 2 ) . قال : فأتى به مسعود بن
هامش
( 1 ) هو الحارث بن قيس بن صهبان بن عون بن علاج بن مازن بن أسود بن جهضم بن جذيمة بن
مالك بن فهم .
( 2 ) زيد في الأخبار الطوال ص 282 ثم سارا حتى انتهيا إلى الأزد وانظر الطبري 5 / 510 وابن
الأثير 2 / 608 .