الكلام ، نخوة وتجبرا ، وتعظما وإعجابا ، فمشى حتى صار مستويا مع أبيه على
الفراش . فقال هارون : ما تقول أي بني ، فإني أريد أن أعهد إليك ؟ فقال : يا
أمير المؤمنين ومن أحق بذلك مني ، وأنا أسن ولدك ، وابن قرة عينك . فقال
هارون : اخرج يا بني ، ثم قال لزبيدة : كيف رأيت ما بين ابني وابنك ؟ فقالت :
ابنك أحق بما تريد ، فكتب عهد عبد الله المأمون ، ثم محمد الأمين بعده ( 1 ) .
فلما كان سنة خمس وتسعين مئة ( 2 ) ، توفي الرشيد رحمه الله ، وعبد الله
المأمون خارج عن العراق ( 3 ) ، وكان وجهه أبوه بالجيوش إلى بعض الفرس لشئ
بلغه عنهم ، فلظ ( 4 ) بمحمد الأمين قوم من شرار أهل العراق . فقيل له : معك
الأموال والرجال والقصور ، فادفع في نحر أخيك المأمون ، فإنك أحق بهذا الأمر
منه ( 5 ) ، وأعانته على ذلك أمه زبيدة ، فقدم أخوه عبد الله من بغداد ( 6 ) ، ومعه
هامش
( 1 ) كذا بالأصل ، وهو تحريف ظاهر . وثمة اتفاق بين المؤرخين على أن الرشيد بايع لعبد الله المأمون
بعد أخيه محمد الأمين ، ثم بايع لابنه القاسم بولاية عهد المأمون .
كان الرشيد يرى بالمأمون رجل الدولة الرصين ، وقد قال فيه : إن فيه لحزم المنصور وشجاعة
المنصور . وكان يقول في الأمين : إن وليت محمدا مع ركوبه هواه وانهماكه في اللهو واللذات
خلط على الرعية ، وضيع الأمر ، حتى يطمع فيه الأقاصي من أهل البغي والمعاصي .
وبعد مداولات بين الرشيد ومستشاريه وقواده وتدخل زبيدة الفاعل بايع محمدا بولاية عهده وتصيير
عبد الله من بعده .
وفي سنة 186 حج الرشيد ، ولما وصل إلى مكة ومعه أولاده والفقهاء والقضاة والقواد كتب كتابا
أشهد فيه على محمد الأمين بالوفاء للمأمون ، وكتب كتابا للمأمون عليه الوفاء للأمين ، وعلق
الكتابين في الكعبة ، وجدد العهود عليهما في الكعبة ( نسخة الكتابين في الطبري 10 / 73
واليعقوبي 2 / 416 . وانظر مروج الذهب 3 / 432 الأخبار الطوال ص 389 - 390 ابن الأثير
4 / 63 - 64 ) .
( 2 ) ثمة إجماع في مصادر ترجمته على وفاته سنة 193 . قال خليفة في تاريخه ص 460 مات بطوس
من أرض خراسان ليلة السبت غرة جمادى الآخرة سنة 193 وهو ابن أربع وسبعين سنة .
وبعد موت الرشيد بويع لمحمد الأمين ، قال في مروج الذهب : في اليوم الذي مات فيه الرشيد .
( 3 ) كان المأمون بمرو ، لما جاءه خبر موت الرشيد .
( 4 ) لظ به : اتصل به وتقرب إليه .
( 5 ) كذا بالأصل .
( 6 ) كذا بالأصل ، وقد مر أن المأمون كان ببعض نواحي خراسان - مرو - .
وقد ذكرت المصادر التاريخية أن الخلاف بين الأخوين الأمين والمأمون بدأ عندما أحس الرشيد
من خلال علاقات ولديه ببعضهما البعض ، وبطانة كل منهما بأن الحال لن يستقيم بينهما فعمد
إلى تجديد العقود بينهما وكتابة العهود عليهما وتعليقها في الكعبة ، وقد قال الناس يومذاك أنه قد
ألقى بينهما شرا وحربا . وقد عبر رجل من هذيل عن تخوف الناس من شر العاقبة قال :
وبيعة قد نكثت أيمانها * وفتنة قد سعرت نيرانها
وتفاقم الخلاف بينهما عندما هم الأمين بخلع المأمون من ولاية عهده . وكانت بينهما حروب
( أنظر الطبري - وابن الأثير وابن كثير حوادث سنة 194 ومروج الذهب 3 / 476 - 477 والأخبار
الطوال ص 394 - 395 ) . انتهت بقتل الأمين .