قال سهل : قلت لبعض من أثق بوفائه ، وأعتقد صدق إخائه من خصيان
القصر المتقدمين عند أمير المؤمنين ، والمتمكنين من كل ما يكون لديه . ما الذي
نعى جعفر بن يحيى وذويه عند أمير المؤمنين ، وما كان من ذنبه الذي لم يسعه
عفوه ، ولم يأت عليه رضاه ؟ فقال : لم يكن له جرم ، ولا لديه ذنب ، كان والله
جعفر على ما عرفته عليه ، وفهمته عنه من اكتمال خصال الخير ، ونزاهة النفس
من كل مكروه ومحذور ، إلا أن القضاء السابق ، والقدر النافذ لا بد منه . كان من
أكرم الخلق على أمير المؤمنين ، وأقربهم منه ، وكان أعظمهم قدرا وأوجبهم حقا
فلما علم ذلك من حسن رأي أمير المؤمنين فيه وشديد محبته له ، استأذنته أخته ،
فاختة بنت المهدي وشقيقته في إتحاف جعفر ومهاداته ، فأذن لها ، وكانت قد
استعدت له بالجواري الرائعات ، والقينات الفاتنات ، فتهدي له كل جمعة بكرا
يفتضها ، إلى ما يصنع له من ألوان الطعام والشراب والفاكهة ، وأنواع الكسوة
والطيب ، كل ذلك بمعرفة أمير المؤمنين ورأيه ، فاستمرت بذلك زمانا ، ومضت
به أعواما . فلما كانت جمعة من الجمع ، دخل جعفر القصر الذي استعدت به ،
ولم يرع جعفر إلا بفاختة ابنة المهدي في القصر ، كأنها جارية من الجواري
اللاتي كن يهدين له ، فأصاب منها لذته ، وقضى منها حاجته ، ولا علم له
بذلك . فلما كان المساء ، وهم بالانصراف ، أعلمته بنفسها ، وعرفته بأمرها ،
وأطلعته على شديد هواها ، وإفراط محبتها له ، فازداد بها كلفا ، وبها حبا ، ثم
استعفاها من المعاودة إلى ذلك . وانقبض عما كان يناله من جواريها ، واعتذر
بالعلة والمرض ، فأعلم جعفر أباه يحيى . فقال له : يا بني أعلم أمير
المؤمنين ما كان معجلا ، وإلا فأذن لي فأعلمه ، فإني أخاف علينا يوم سوء إن
تأخر هذا ، وبلغه من غيرنا ، وإعلامك له في هذا الوقت يسقط عنا ذلك الذنب ،
فهي أحق بالعقوبة منك قال جعفر : لا والله لا أعلمته به أبدا ، فالموت علي أيسر
منه ، وأرجو الله أن لا يطلعه عليه ، فقال له يحيى : لا تظن هذا يخفى عليه ،
فأطعني اليوم وأعلمه . فقال جعفر : والله لا أفعل هذا أبدا ولا أتكلم به ، وبالله
أستعين ، فلم يرع الرشيد إلا أن رفعت إليه جارية من جواريها رقعة ، وأعلمت
ذلك فيها فاستحق ذلك عند الرشيد باستعفاء جعفر لما كان من إتحافها ،
واعتذاره بالعلة من غير مرض ينهكه ، فغفل عنه الرشيد ، ولم ير لذلك جفوة ،
ولا زاد له إلا كرامة ، ولا لديه إلا حرمة ورفعة ، حتى قرب وقت الهلاك ، ودنا
الإمامة والسياسة المعروف بتاريخ الخلفاء — صفحة 230
مساهمون: ابن قتيبة الدينوري
ص٢٣٠