منقلب الحتف ، والله أعلم ( 1 ) .
قد تم بعون الله تعالى ما به ابتدأنا ، وكمل وصف ما قصصنا ، من أيام
خلفائنا وخير أئمتنا ، وفتن زمانهم ، وحروب أيامهم ، وانتهينا إلى أيام الرشيد ،
ووقفنا عند انقضاء دولته ، إذ لم يكن في اقتصاص أخبار من بعده ، ونقل حديث
ما دار على أيديهم ، وما كان في زمانهم كبير منفعة ، ولا عظيم فائدة ، وذلك لما
انقضى أمرهم ، وصار ملكهم إلى صبية أغمار ( 2 ) ، غلب عليهم زنادقة العراق ،
فصفوهم إلى كل جنون ، وأدخلوهم إلى الكفر ، فلم يكن لهم بالعلماء والسنن
حاجة ، واشتغلوا بلهوهم ، واستغنوا برأيهم . وكان الرشيد مع عظم ملكه ، وقدر
شأنه ، معظما للخير وأهله ، محبا لله ورسوله ، ولما دخلت عليه سنة تسعين ومئة
أخذته الحمى ( 3 ) التي أخبر بها جده أبو جعفر المنصور ، وهو في المهد صغيرا ،
فعرف أنه قد دنا أجله ، وحان هلاكه ، فاجتمع إليه أطباء العراق يعالجونه ، ثم
استعان بأطباء الروم والهند ، واستجلبهم من الآفاق ، فلم يزالوا يداوونه حتى
مضت له ثلاثة أعوام ، وما أقلعت عنه ، ولم يزده العلاج إلا شدة . فلما دخلت
هامش
( 1 ) كذا بالأصل ، فاختة بنت المهدي ، والمصادر تذكر العباسة أخت الرشيد بنت المهدي . وفي
وفيات الأعيان أن يحيى بن خالد ضيق على عيال الرشيد في النفقة حتى شكت زبيدة إلى الرشيد
ثم أفشت له سر العباسة فاستشاط غضبا . قال ابن كثير : ومن العلماء من ينكر ذلك ( يعني أن
سبب قتلهم هو ما ذكر عن قصة العباسة ) وإن كان ابن جرير قد ذكره .
والناس في سبب إيقاع الرشيد بالبرامكة مختلفون اختلافا كبيرا ، وقد تناول المؤرخون كثيرا منها
ولم يرجحوا أي منها ، فكل من الأسباب جدير بالاهتمام . يرى بعضهم أن نكبتهم تعود إلى
حوادث ليست فجائية وإنما هي أمور تتابعت ، وأسباب متراكمة . وقد لعب أخصام البرامكة دورا
هاما وقد استخدموا البطانة والشعراء والمغنين ليلعبوا على أعصاب الرشيد حتى استطاعوا ، كما
ذكر ابن خلدون في مقدمته : استثارة حفائظه لهم .
ولعل السبب الأقوى ما رواه الفخري ص 190 أن الرشيد قال : " استبد يحيى بالأمور دوني ،
فالخلافة على الحقيقة له ، وليس لي منها إلا الاسم " .
وقد أنشده بعضهم ما يثير الحقد في نفسه ويغذي عامل المنافسة عنده :
ليت هندا أنجزتنا ما تعد * وشفت أنفسنا مما تجد
واستبدت مرة واحدة * إنما العاجز من لا يستبد
أنظر الطبري وابن الأثير وابن كثير ( حوادث سنة 187 ) وانظر مروج الذهب 3 / 451 وما بعدها
وتاريخ اليعقوبي 2 / 422 .
( 2 ) الأغمار جمع غمر الشاب قليل التجربة ، قليل الحنكة السياسية ونحوها .
( 3 ) في علته التي مات بها قيل : كان مرضه بالدم ، وقيل بالسل . ( البداية والنهاية 10 / 240 ) .