عبد الملك . فقال له عبد الرحمن : ذكرت والله عالما بهذا الأمر ، أما لئن قلت
ذلك لقد وقفت بين يديه وأنا غلام ، يوم توفي أبي معاوية ، وهشام يومئذ خليفة ،
فكشفت عن ظهري ، فنظر إلى ما نظرت إليه . فقال لهشام جدي وهو يبكي :
هذا اليتيم يا أمير المؤمنين صاحب ملك المغرب . فقال له هشام : وما الذي
أبكاك يا أبا سعيد ؟ ألهذا تبكي ؟ فقال : أبكي والله على نساء بني أمية
وصبيانهم ، كأني بهم والله قد أبدلوا بعد أساورة الذهب والفضة الأغلال
والحديد ، وبعد الطيب والدهن البقل والعقار ، وبعد العز الذل والصغار . فقال
هشام : أحان زوال ملك بني أمية يا أبا سعيد ؟ فقال مسلمة : إي والله حان ، وإن
هذا الغلام يعمر منهم ، ثم يصير إلى المغرب فيملكها . فقال له الرجل : فاقبض
مني هذا المال ، واخرج بمن تثق به من غلمانك . فقال عبد الرحمن : والله إن
هذا الوقت ما يوثق فيه بأحد ، فولى ذاهبا ، وخرج لا يدري متى خرج ، فلحق
بالمغرب ، وأقبل القوم من بني أمية ، وقد أعد لهم السفاح مجلسا فيه أضعافهم
من الرجال ، ومعهم السيوف والأجرزة ( 1 ) ، فأخرجهم عليهم ، فقتلهم وأخذ
أموالهم ( 2 ) ، واستعفى ( 3 ) عبد الواحد بن سليمان بن عبد الملك ، وكان عبد الواحد قد
بذ العابدين في زمانه ، وسبق المجتهدين في عصره ، فركب السفاح إلى أموال
عبد الواحد ، وكان عبد الواحد قد اتخذ أموالا معجبة ، تطرد فيها المياه والعيون ،
فأمره السفاح أن يصيرها إليه ، فأبى عليه ، واختفى منه ، فأخذ رجالا من أهله ،
فتواعدهم السفاح ، وأمر بحبسهم حتى دلوه عليه . فلما قبضه أمر بقتله ، ثم
استقصى ماله ، فبلغ ذلك أبا العباس أمير المؤمنين ، وكان أبو العباس يعرفه قبل
ذلك ، وكان عبد الواحد أفضل قرشي كان في زمانه عبادة وفضلا . فقال أبو
العباس : رحم الله عبد الواحد ، ما كان والله ممن يقتل لغائلة ( 4 ) ، ولا ممن يشار
إليه بفاحشة ، وما قتلته إلا أمواله ، ولولا أن السفاح عمي ، وذمامه ورعاية حقه
علي واجب ، لأقدت منه ( 5 ) ، ولكن الله طالبه ، وقد كنت أعرف عبد الواحد برا
هامش
( 1 ) الأجرزة جمع جرز ، وهو عمود حديد .
( 2 ) وكانوا ثلاثة وسبعين ( الطبري ) ، بضعة وثمانين ( مروج الذهب ) اثنين وثمانين ( العقد ) . نحو
تسعين رجلا ( ابن الأثير ) ، ثمانون ( تاريخ اليعقوبي ) .
( 3 ) استعفى : أي تركه ولم يقتله .
( 4 ) يريد أنه قتل غدرا .
( 5 ) أي اقتصصت منه ، وقتلته قودا بعبد الواحد .