شهوته ، وقد حرمتنا ما أملنا فيه . قال : إليكم عني ، فإني عاهدت الله ربي ، أني
لا أخلو بملك إلا ذكرته الله ، ونبهته ورشدته . ثم رجع خالد إلى فسطاطه ، كئيبا
حزينا ، متخوفا يظن أنه قد هلك ، وكان للربيع صديقا . فبينما هو كذلك ، إذ أتاه
رسول الربيع ، فقال : يا صفوان ، يقول لك أخوك الربيع : من كان في حاجة
الله ، كان الله في حاجته . إنك لما وليت من عند أمير المؤمنين جعل يقول : لله
در ابن الأهتم ، أي رجل دنيا وأخرى ، مره يا ربيع ، فليرجع حوائجه ، وليغد إلينا
بها نقضها له . فقال الربيع : فاغد علينا بحوائجك رحمك الله ، واحمده على ما
صنع ، وأذهب من مخافتك . فغدا عليه بحوائجه فقضيت .
وذكروا أنه لم يكن في بني أمية ملك أعظم من هشام ، ولا أعظم قدرا ،
ولا أعلى صوتا منه ، دانت له البلاد ، وملك جميع العباد ، وأديت له الجزية من
جميع الجهات ، من الروم والفرس والترك والإفرنج والزنج والسند والهند ، وكان
قريبا من الضعفاء ، مهتما بإصلاح الأدواء ، لم يجترئ أحد معه على ظلامة ،
ولم يسلك أحد معه إلا سبيل الاستقامة ، وكان له موضع بالرصافة أفيح من
الأرض ، يبرز فيه ، فتضرب له به السرادقات ، فيكون فيه ستين ليلة ، بارزا
للناس ، مباحا للخلق ، لا يفني أيامه تلك إلا برد المظالم ، والأخذ على يد
الظالم من جميع الناس ، وأطراف البلاد ، ويصل إلى مخاطبته بذلك الموضع ،
راعي السوام ( 1 ) ، والأمة السوداء ، فمن دونهما ، قد وكل رجالا أدباء عقلاء ، بإدناء
الضعفاء والنساء اليتامى منه ، وأمرهم بإقصاء أهل القوة والكفاية عنه ، حتى يأتي
على آخر ما يكون من أمره ، فيما يرفع إليه ، لا ينضم إليه رجل يريد الوصول
إليه ، فينظروا أوضع منه إلا أدنوا الأوضع وأبعدوا الأرفع ، حتى ينظر في شأنه ،
ويعرف أمره ، وينفذ فيه ما أمر ، ولا يرفع إليه ضعيف ، ولا امرأة أمرا ، وظلامة
على غطريف من الناس مرتفع القدر ، ولا مستخدم به إلا أمر باقتضاء يمينه ،
وأغداه بمطلبه ، لا يقبل لهم حجة ، ولا يسمع لهم بينة ، حتى لربما تمر به المرأة
والرجل أو عابر سبيل ، لا حاجة له فيما مر به . فيقال له : ما حاجتك ، وما
قصتك ، وما ظلامتك ؟ فيقول : إنما سلكت أريد موضع كذا ، أروم بلد كذا ،
فيقول له : لعلك ظلمك أحد من آل الخليفة تهاب أمره ، وتتوقع سطوته ، فذلك
هامش
( 1 ) السوام : الإبل الراعية .