بدء الفتن والدولة العباسية
قال : وذكروا أن الهيثم بن عدي أخبرهم ، قال : اختلفت روايات القوم
الذين عنهم حملنا وروينا ذكر الدولة ، فحملنا عنهم ما اختلفوا فيه وألفناه ، فكان
أول ما اختلفت فيه الرواية ، ولم تلائمه الحكاية ، أشياء سنذكرها في موضعها من
هذا الكتاب إن شاء الله ، واقتصرنا على معانيها ، وقيدنا بعض ألفاظها لطول
أخبارها ، واجتنبنا الجزل السمين من اللفظ ، ورددنا هزيله لنزر فائدته ، وقلة
عائدته ، وقد اختصرنا وأشبعنا إذ لم نترك من المعاني المتقدمة شيئا ، والله
الموفق للصواب .
فكان مما ألفنا بدءا من ذكر الدولة ، وما أخبرنا عن الهيثم بن عدي ، عن
الرجال الذين حدثوه . قالوا : لما سلم الحسن بن علي الأمر إلى معاوية بن أبي
سفيان ، قامت الشيعة من أهل المدينة ، وأهل مكة ، وأهل الكوفة ، واليمن ،
وأهل البصرة ، وأرض خراسان ، في ستر وكتمان ، فاجتمعوا إلى محمد بن علي ،
وهو محمد بن الحنفية ( 1 ) ، فبايعوه على طلب الخلافة إن أمكنه ذلك ، وعرضوا
عليه قبض زكاتهم ، لينفقوها يوم الوثوب على فرصته ، فيما يحتاج من النفقة على
مجاهدته ، فقبلها ، وولى على شيعة كل بلد رجلا منهم ، وأمره باستدعاء من قبله
منهم ، في سر وتوصية إليهم ، ألا يبوحوا بمكتومهم ، إلا لمن يوثق به ، حتى يرى
هامش
( 1 ) كان ذلك بعد مقتل الحسين بن علي رض سنة 60 ه . حيث أثار مقتله حماسة المسلمين ،
فتوحدت صفوف الشيعة وزادت الدعوة لآل علي ( رض ) قوة ، واشتد العداء بين الأمويين
والعلويين الذين ثاروا في الولايات الإسلامية .
وقد كانت كربلاء ونتائجها عاملا في إذكاء روح التشيع ، وأصبحت عقيدة راسخة في نفوس
المسلمين ، وقد وجد ابن الزبير فرصته التاريخية - بعد كربلاء - لتحقيق أغراضه السياسية
تحت ستار الأخذ بثأر الحسين ، وتهيأت الفرصة أيضا للمختار بن أبي عبيد الذي ادعى إمامة
محمد بن الحنفية ( ابن علي بن أبي طالب ) وانضمت إليه حركة التوابين الذين ندموا على
عدم إغاثتهم الحسين وقاموا ليبذلوا نفوسهم في الأخذ بثأره .