أمير المؤمنين أمرني أن أتوجه إلى المدينة في ثلاثين ألفا . فقال له : استعفه .
قال : لا . قال : فاركب فيلا أو فيلة ، وتكون أبا يكسوم ( 1 ) ، فمرض مسلم قبل
خروجه من الشام ، فأدنف فدخل عليه يزيد بن معاوية يعوده ، قال له : قد كنت
وجهتك لهذا البعث ، وكان أمير المؤمنين معاوية قد أوصاني بك ، وأراك مدنفا
ليس فيك سفر . فقال : يا أمير المؤمنين أنشدك الله ، أن لا تحرمني أجرا ساقه
الله إلي ، إنما أنا امرؤ وليس بي بأس . قال : فلم يطق من الوجع أن يركب بعيرا
ولا دابة ، فوضع على سرير ، وحمله الرجال على أعناقهم ، حتى جاءوا مكانا
يقال له البتراء ، فأرادوا النزول به . فقال لهم : ما اسم هذا المكان ؟ فقيل له
البتراء . فقال : لا تنزلوا به ، ثم سار حتى حاجزة ، فنزل به ، فأرسل إلى أهل
المدينة : إن أمير المؤمنين يقرأ عليكم السلام ، ويقول لكم : أنتم الأصل
والعشيرة والأهل ، فاتقوا الله واسمعوا وأطيعوا ، فإن لكم عندي في عهد الله
وميثاقه عطاءين في كل سنة ، عطاء في الصيف ، وعطاء في الشتاء ، ولكم عندي
عهد الله وميثاقه ، أن أجعل سعر الحنطة عندكم كسعر الحنطة عندنا ، والحنطة
يومئذ سبعة آصع بدرهم ، وأما العطاء الذي ذهب به عنكم عمرو بن سعيد ،
فعلي أن أخرجه لكم ، وكان عمرو بن سعيد قد أخذ أعطياتهم ، فاشترى بهم
عبيدا لنفسه . فقالوا لمسلم : نخلعه كما نخلع عمائمنا ، يعنون يزيد ، وكما نخلع
نعالنا . قال : فقاتلهم ، فهزم الناس أهل المدينة .
قال أبو معشر : حدثنا محمد بن عمرو بن حزم ، قال : قتل بضعة وسبعون
رجلا من قريش ، وبضعة وسبعون رجلا من الأنصار ، وقتل من الناس نحو من
أربعة آلاف ( 2 ) ، وقتل ابنان لعبد الله بن جعفر ، وقتل أربعة أو خمسة من ولد
زيد بن ثابت لصلبه ( 3 ) . فقال مسلم بن عقبة لأهل الشام : كفوا أيديكم ، فخرج
محمد بن سعد بن أبي وقاص ، يريد القتال ، فقاتلهم بعد الكف . فقال مسلم بن
هامش
( 1 ) أبو يكسوم ، كنية أبرهة الحبشي الذي قدم مكة على الفيل لهدم البيت فأرسل الله عليه وعلى
جيشه طيرا من البحر أمثال الخطاطيف يحمل كل منها ثلاثة أحجار ، فكانت لا تصيب أحدا
منهم إلا أهلكته فانهزموا أي هزيمة ( أنظر سيرة ابن هشام 1 / 54 - 55 ) .
( 2 ) تقدمت الإشارة إلى عدة من قتل يوم الحرة في الجزء الأول .
( 3 ) وهم : سعيد وسليمان وزيد ويحيى وعبيد الله بنو زيد بن ثابت ( تاريخ خليفة بن خياط
ص 247 ) .