من وراء الجدر ، كما قال الله تعالى { لا يقاتلونكم جميعا إلا في قرى محصنة
أو من وراء جدر } ( 1 ) . فجعل المسلمون يخربون بيوتهم ليتمكنوا من الحرب .
وكلما نقبوا جدار بيت من جانب ليدخلوا نقبوا هم من الجانب الآخر ليخرجوا
إلى بيت آخر ، كما قال الله تعالى { تخربون بيوتهم بأيديهم وأيدي المؤمنين } ( 2 ) .
فلما لحقهم من العسر ما لحقهم ، ولم يأتهم أحد من المنافقين ، وقد كانوا
وعدوا لهم ذلك - أي المنافقين وعدوا بنى النضيرة النصرة ، كما قال الله تعالى
حكاية عنهم { وإن قوتلتم لننصرنكم } ( 3 ) .
وقد كان أمر رسول الله بقطع النخيل فقطعت . وكان العذق ( 4 ) أحب
إلى أحدهم من الوصيف ( 5 ) . فقال بعضهم لبعض : ليس لنا مقام بعد
النخيل . فنادوه . يا أبا القاسم ، قد كنت تنهى عن الفساد فما للنخيل تقطع
وتحرق ؟ أتؤمننا على دمائنا وذرارينا وعلى ما حملت الإبل إلا الحلقة - يعنى
السلاح - ؟ قال : نعم . ففتحوا الحصون ، وأجلاهم على ما وقع الصلح عليه .
وفى رواية : استعمل رسول الله عليه السلام أبا ليلى المازني وعبد الله
ابن سلام أبا لبابة ( 6 ) على قطع نخيلهم . وكان أبو ليلى يقطع العجوة ( 7 ) .
وعبد الله يقطع اللون ( 8 ) . فقيل لأبي ليلى لم قطعت العجوة ؟ قال : لأنها
كانت أغيظ لهم . وقيل لابن سلام : لم قطعت اللون ؟ قال : علمت أن الله
مظهر نبيه ومغنمه أموالهم ، فأحببت إبقاء العجوة وهي خيار أموالهم . ففي ذلك
نزل قوله تعالى { ما قطعتم من لينة } . الآية .
وفى رواية : نادى اليهود من فوق الحصون : تزعمون أنكم مسلمون
لا تفسدون ( 26 آ ) ، وأنتم تعقرون النخل ، والله ما أمر بهذا ، فاتركوها
هامش
( 1 ) سورة الحشر ، 59 ، الآية 14 .
( 2 ) سورة الحشر ، 59 ، الآية 2 .
( 3 ) سورة الحشر ، 59 ، الآية 11 .
( 4 ) العذق : النخلة بحملها ( القاموس ) وفى أ " الغدر " .
( 5 ) ط " الوضيف " .
( 6 ) ساقط من ب ، أ .
( 7 ) العجوة بالحجاز التمر المخشى ، ونوع من التمر بالمدينة ( القاموس ) .
( 8 ) اللون جماعة النخل واحدتها لونة ولينة ، أو أردأ التمر ( القاموس ) .