يغلبه فيه وذلك أنَّ الله تبارك وتعالى لمّا خلق البحار السفلى فخرَّت وزخرت وقالت : أيُّ شيء
يغلبني فخلق الأرض فسطحها على ظهرها فذلّت ثمّ قال : إنّ الأرض فخَرَت وقالت : أىُّ شيء
يغلبني ؟ فخلق الجبال فأثبتها على ظهرها أوتاداً من أن تميد بما عليها فذلّت الأرض واستقرّت ،
ثمّ إنَّ الجبال فخرت على الأرض فشمخت واستطالت وقالت : أيُّ شيء يغلبني ؟ فخلق الحديد
فقطعها فقرَّت الجبال وذلّت ، ثمَّ إنَّ الحديد فخرت على الجبال وقال : أيُّ شيء يغلبني ؟ فخلق
النّار فأذابت الحديد فذلّ الحديد ، ثمّ إنَّ النّار زفرت وشهقت وفخرت وقالت : أيّ شيّ يغلبني ؟
فخلق الماء فأطفأها فذلّت ، ثمَّ إنَّ الماء فخر وزخر وقال : أيُّ شيّ يغلبني ؟ فخلق الرّيح فحرّكت
أمواجه وأثارت ما في قعره وحبسه عن مجاريه فذلّ الماء ، ثمَّ إنَّ الريح فخرت وعصفت
وأرخت أذيالها وقالت : أيُّ شيء يغلبني ؟ فخلق الإنسان فبنى واحتال واتّخذ ما يستتر به من
الريح وغيرها فذّلت الريح ، ثمّ إنّ الإنسان طغى وقال : من أشدّ منّي قوّة ؟ فخلق له الموت فقهره
فذلَّ الإنسان ; ثمّ إنّ الموت فخر في نفسه فقال الله عزّ وجل : لا تفخر فإني ذابحك بين الفريقين :
أهل الجنّة وأهل النّار ثمّ لا اُحييك أبداً فترجى أو تخاف ، وقال أيضاً : والحلم يغلب الغضب ،
والرحمة تغلب السخط ، والصدقة تغلب الخطيئة ، ثمَّ قال أبو عبد الله ( عليه السلام ) : ما أشبه هذا ممّا قد
يغلب غيره .
* الشرح :
قوله ( وبهذا الاسناد قال ) أي أبو عبد الله ( عليه السلام ) ( قال النبي ( صلى الله عليه وآله ) : ما خلق الله عز وجل خلقاً إلاّ وقد
أمّر عليه آخر ) أمّره عليه تأميراً إذا جعله أميراً ( يغلبه فيه ) أي في أمره ( وذلك أن الله تعالى لما
خلق البحار السفلى ) هي البحار الّتي على مركز العالم والعليا هي التي في السماء كما دل عليه
بعض الروايات والشعب المنقطعة من السفلى على وجه الأرض ( فخرت وزخرت ) الفخر
والافتخار : المباهاة بالقوة والشدة والعظمة وغيرها من المناقب ، والزخور : المد والاستعلاء
والارتفاع ، يقال : زخر البحر أي مد وكثر ماؤه ، وعلا وارتفعت أمواجه ( وقالت أي شيء يغلبني )
هذا القول منها ومن مثلها إما بلسان الحال أو بلسان المقال إذ لا يبعد من القدرة الإلهيّه أن يخلق
النطق فيها ( فخلق الأرض فسطحها على ظهرها فذلت ) سطحه كمنعه بسطه وصرعه وأضجعه ،
ولعل الغرض من هذا الكلام بيان أن كل قوى غيره تعالى ضعيف ، وكل غالب غيره مغلوب ، وأن
الكبر والافتخار في الممكن سبب لذلّه .
( ثم قال : إن الأرض فخرت ) لما رأت من قوتها وغلبتها على البحار ( وقالت أي شيء يغلبني )
ظناً منها أن لا شيء أقوى وأرفع منها كما يظن ذلك كل متكبر فخور .
( فخلق الجبال فأثبتها على ظهرها ) دلّ على أن الأرض خلقت أولاً نقية خالية عن التلال والوهاد
والجبال كما دلت عليه أيضاً روايات أخر .
( أوتاداً من أن تميد بما عليها ) ما د يميد ميداً إذا تحرك واضطرب ومال
شرح أصول الكافي — صفحة 157
مساهمون: محمد صالح المازندراني
ص١٥٧