الرَّجاء أذلّه الطمع ، وإن هاج به الطمع أهلكه الحرص ، وإن ملكه اليأس قتله الأسف ، وإن عرض له
الغضب اشتدَّ به الغيظ ، وإن أسعد بالرضى نسي التحفّظ ، وإن ناله الخوف شغله الحذر وإن اتّسع له
الأمن استلبته الغرّة - وفي نسخة : أخذته الغرّة ، - وإن جدِّدت له نعمة أخذته العزَّة ، وإن أفاد مالا
أطغاه الغنى ، وإن عضّته فاقة شغله البلاء - وفي نسخة : جهده البكاء - وإن أصابته مصيبة فضحه
الجزع ، وإن أجهده الجوع قعد به الضعف ، وإن أفرط في الشبع كظّته البطنة فكلُّ تقصير به مضرّ
وكلُّ إفراط له مفسد .
أيّها النّاس إنّه من قلَّ ذلّ ، ومن جاد ساد ، ومن كثر ماله رأس ، ومن كثر حلمه نبل ، ومن أفكر في
ذات الله تزندق ، ومن أكثر من شيء عُرف به ، ومن كثر مزاحه استخفّ به ، ومن كثر ضحكه ذهبت
هيبته .
فسد حسب من ليس له أدب ، إنَّ أفضل الفعال صيانة العرض بالمال ، ليس من جالس الجاهل
بذي معقول ، من جالس الجاهل فليستعدَّ لقيل وقال ، لن ينجو من الموت غنيٌّ بماله ولا فقيرٌ
لإقلاله . أيّها النّاس لو أنَّ الموت يشترى لاشتراه من أهل الدُّنيا الكريم الأبلج واللّئيم الملهوج .
أيّها النّاس إنَّ للقلوب شواهد تجري الأنفس عن مدرجة أهل التفريط ، وفطنة الفهم للمواعظ ما
يدعو النفس إلى الحذر من الخطر ، وللقلوب خواطر للهوى ، والعقول تزجر وتنهى ، وفي التجارب
علم مستأنف ، والاعتبار يقود إلى الرَّشاد ، وكفاك أدباً لنفسك ما تكرهه لغيرك ، وعليك لأخيك
المؤمن مثل الذي لك عليه ، لقد خاطر من استغنى برأيه ، والتدبّر قبل العمل فإنّه يؤمنك من الندم ،
ومن استقبل وجوه الآراء عرف مواقع الخطأ ومن أمسك عن الفضول عدّلت رأيه العقول ، ومن
حصن شهوته فقد صان قدره ، ومن أمسك لسانه أمنه قومه ونال حاجته ، وفي تقلّب الأحوال عُلم
جواهر الرِّجال ، والأيّام توضح لك السرائر الكامنة ، وليس في البرق الخاطف مستمتع لمن يخوض
في الظلمة ، ومن عرف بالحكمة لحظته العيون بالوقار والهيبة ، وأشرف الغنى ترك المنى ، والصبر
جنّة من الفاقة ، والحرص علامة الفقر ، والبخل جلباب المسكنة ، والمودَّة قرابة مستفادة ، ووصول
معدم خير من جاف مكثر ، والموعظة كهف لمن وعاها ، ومن أطلق طرفه كثر أسفه ، وقد أوجب
الدَّهر شكره على من نال سؤله ، وقلَّ ما ينصفك اللّسان في نشر قبيح أو إحسان ، ومن ضاق خلقه
ملّه أهله ، ومن نال استطال ، وقلَّ ما تصدقك الأُمنيّة ، والتواضع يكسوك المهابة ، وفي سعة الأخلاق
كنوز الأرزاق ، كم من عاكف على ذنبه في آخر أيّام عمره .
ومن كساه الحياء ثوبه خفي على الناس عيبه ، وانحُ القصد من القول فإنَّ من تحرّى القصد خفّت
عليه المؤن ، وفي خلاف النفس رشدك ، من عرف الأيام لم يغفل عن الاستعداد ، ألا وإنّ من كلّ
جرعة شرقاً وإنَّ في كلِّ أكلة غصصاً ، لا تنال نعمة إلاّ بزوال اُخرى . ولكلِّ ذي رمق قوتٌ ولكلِّ حبّة
شرح أصول الكافي — صفحة 231
مساهمون: محمد صالح المازندراني
ص٢٣١