العيش أو الحسنى أو الخير لعبد خامل الذكر عرفه الله في مقام طاعته وعبوديته ولم يعرفه الناس
في مشهدهم ، وفيه ترغيب في ذكر الله تعالى في جميع الأحوال والفرار من الناس ليتخلص من
أذاهم ، ولا يكتسب الشرور منهم .
( أولئك مصابيح الهدى ) لشروق نور المعارف الإلهية على مرآة سرهم ، وهو ثمره الاستعداد
بالحزن والخوف والعزلة ومثمر الاهتداء به ، واستعار لفظ المصباح لنور معرفتهم لاشتراكهما في
كون كل منهما سبباً للهدى ، استعارة لفظ المحسوس للمعقول والهداية على درجات منها معرفة
طريق الخير والشر وإليه يرشد قوله تعالى ( وهديناه النجدين ) ومنها هداية الخاص وهي تحصل
بالمجاهدات الحسنة وإليها يرشد قوله تعالى ( والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا ) ومنها هداية
خاص الخاص وهي من عند الله تعالى ولا مدخل للعبد فيها وهي للأنبياء والأوصياء والأولياء ،
وإليها يرشد قوله تعالى ( ان هدى الله هو الهدى ) .
( وينابيع العلم ) يخرج منهم العلم إلى أراضي القلوب القابلة لبذر المعرفة والحكمة وزرع
الأخلاق الفاضلة والأعمال الصالحة ، والينابيع جمع الينبوع وهو العين الذي يخرج منه الماء ففيه
استعارة مكنية تخييلية بتشبيه العلم بالماء في الإحياء وإثبات الينابيع له .
( ينجلي عنهم كل فتنة مظلمة ) الفتنة بلاء وفساد و « آزمايش وجنك وآشوب وعذاب ومحنت » .
ووصفها بالمظلمة لأنها تسود وجه القلب وتظلم طريق الحق وتمنع من مشاهدته كالظلمة
والانجلاء والتجلي « واشدن غم وابر ومانند آن » . والمراد : ذهاب الفتنة وبُعدها عنهم .
( ليسوا بالمذاييع البذر ) المذاييع جمع المذياع بالكسر وهو من لا يكتم سره ، والبذر بضمتين
جمع البذور كصبر جمع صبور ، أو جمع بذير كالنذر جمع نذير ، وهما النمام ومن لا يستطيع كتمان
سره فيفشيه وينادي به بين الناس . يقال بذرت الكلام بين الناس كما تبذر الحبوب وتتفرق في
الأرض .
( ولا بالجفاة المرائين ) الجفاة جمع الجافي وهو غليظ القلب والطبع والبعيد عن الصلة والبر
والخير ، والمرائين جمع المرائي وهو من يقصد بأعماله من الفعل والقول ، والمناظرة إراءة الناس
لإظهار كماله واشتهار حاله .
12 - علي بن إبراهيم ، عن محمّد بن عيسى ، عن يونس ، عن أبي الحسن الأصبهاني عن أبي
عبد الله ( عليه السلام ) قال : قال أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : طوبى لكلِّ عبد نومة لا يوبه له ، يعرف الناس ولا يعرفه
الناس ، يعرفه الله منه برضوان ، اُولئك مصابيح الهدى ينجلي عنهم كلُّ فتنة مظلمة ويفتح لهم باب
كلِّ رحمة ، ليسوا بالبذر المذاييع ولا الجفاة المرائين وقال : قولوا الخير تعرفوا به واعملوا الخير
شرح أصول الكافي — صفحة 134
مساهمون: محمد صالح المازندراني
ص١٣٤