باب
أن الجن يأتيهم فيسألونهم عن معالم دينهم ويتوجّهون في أمورهم
* الأصل :
1 - بعض أصحابنا ، عن محمّد بن عليّ ، عن يحيى بن مساور ، عن سعد الإسكاف قال : أتيت
أبا جعفر ( عليه السلام ) في بعض ما أتيته فجعل يقول : لا تعجل ، حتّى حميت الشمس عليّ وجعلت أتتبّع
الأفياء ، فما لبث أن خرج عليّ قوم كأنهم الجراد الصفر ، عليهم البتوت ، قد انتهكتهم العبادة ، قال :
فوالله لأنساني ما كنت فيه من حسن هيئة القوم ، فلمّا دخلت عليه قال لي : أراني قد شققت عليك ،
قلت : أجل والله لقد أنساني ما كنت فيه قوم مرُّوا بي لم أرَ قوماً أحسن هيئة منهم في زيّ رجل
واحد ، كأنّ ألوانهم الجراد الصفر ، قد انتهكتهم العبادة ، فقال : يا سعد رأيتهم ؟ قلت : نعم ، قال :
أُولئك إخوانك من الجنّ ، قال : فقلت : يأتونك ؟ قال : نعم يأتونا [ ننا - ظ ] يسألونا عن معالم دينهم
وحلالهم وحرامهم .
* الشرح :
قوله ( كأنهم الجراد الصفر ) التركيب من قبيل الدينار الصفر وإنّما شبّههم بها لصفرتهم لكثرة
العبادة والرياضة .
قوله ( عليهم البتوت ) البتوت جمع البت وهو الطيلسان من خزّ ونحوه ، والبتّي الذي يعمله أو
يبيعه ، والبتّات مثله .
قوله ( قد انتهكتهم العبادة ) أيّ جهدتهم وهزلتهم ونقصت لحومهم من كثرة المشقّة .
قوله ( فوالله لأنساني ما كنت فيه من حسن هيئة القوم ) لعلّ فاعل أنساني هو الله تعالى أو رؤية
القوم بقرينة المقام و « ما » مفعوله والمراد به المشقّة الشديدة و « من » تعليل لنسبة الإنساء إلى فاعله ،
فليتأمّل .
قوله ( قد شققت عليك ) أيّ أوقعتك في المشقّة .
قوله ( أُولئك إخوانك من الجنّ ) الجن خلاف الإنس والواحد جنّي سمّيت بذلك لأنها تستر
ولا ترى ، وهذا التركيب يدلّ على الخفاء والاستتار ومنه الجنة بحركات الجيم ، والجنين ، وأمثال
ذلك والجن لا ترى إذا بقيت على الصورة الأصلية ( 1 ) وأما إذا تشكّلت بصورة نوع آخر من أنواع
هامش
( 1 ) قوله « والجن لا ترى إذا بقيت » ما ذكره الشارح واضح معلوم لمن تتبّع السير والروايات ، والقاعدة التي ذكرنا
في الفرق بين الجسم المثالي والمادي جارية هنا ، والجن بحسب الصورة الأصلية ممّا لا يرى فإن رآها أحد
فهو مختص برؤيتها ولا يشترك في رؤيتها جميع الناس وقال الله تعالى : ( انه يريكم هو وقبيله من حيث لا
ترونهم ) وسمّيت الجن جنّاً لأنها لا ترى ، فأجسامهم بحسب الاصطلاح من الأجسام المثالية . واعلم أن
الدليل على وجود الجن هو النقل ، وأما الحكماء المسلمون فمتعبّدون بقبول خبر الأنبياء والأئمة ، معترفون
بوجودها اعتماداً على خبرهم وعدم الدليل على امتناعها فهم وسائر الناس سواء في الاعتقاد بوجود الجن من
هذه الجهة ، وكلّ ما ذكره صدر المتألهين والداماد والفيض وأمثالهم من الحكماء الإلهيين فهو مأخوذ من
الروايات والآيات ومستفاد منها ، ولم يؤثر من اليونانيين شيء ، وفي كتاب عين اليقين فصول مشبعة في ذلك
لولا مخافة التطويل نقلناها هنا لكثرة فوائدها وإن كان فيه بعض التكلّفات والله الموفّق . ( ش )