الواقع إن عمر ابن الخطاب كان يطوف يوما في السوق ، وإذا به يلقى أبا لؤلؤة
فقال : يا أمير المؤمنين ، أعدني على المغيرة بن شعبة ، فإن علي خراجا كثيرا .
قال : وكم خراجك ؟ قال : درهمان كل يوم . قال : وأيش صناعتك ؟ قال :
نجار ، نقاش حداد . قال : فما أرى خراجك كثير على ما تصنع من الأعمال ،
قد بلغني أنك تقول : لو أردت أن أصنع رحى تطحن بالريح لفعلت ! قال :
نعم . قال ، فاعمل لي رحى قال : لئن سلمت لأعملن لك رحى يتحدث بها من
بالشرق والمغرب ! .
ثم انصرف عنه ، فقال عمر : لقد أوعدني العبد الآن ) ( 89 ) هذا الوجه الأول
للمشهد التآمري أما الوجه الثاني ، قال ابن الأثير : ( ثم انصرف عمر إلى
منزله ، فلما كان الغد جاءه كعب الأحبار فقال له : يا أمير المؤمنين ، أعهد فإنك
ميت في ثلاث ليال . قال : وما يدريك ؟ قال أجده في كتاب التوراة قال عمر
( الله ! إنك ) لتجد عمر ابن الخطاب في التوراة ؟ قال : اللهم لا ، ولكني أجد
حليتك وصفتك وأنك قد فني أجلك . قال ، وعمر لا يحس وجعا ! فلما كان الغد
جاءه كعب فقال : بقي يومان فلما كان الغد جاء كعب فقال : مضى يومان وبقي
يوم . فلما أصبح خرج عمر إلى الصلاة وكان يوكل بالصفوف رجالا فإذا استوى
كبر ، ودخل أبو لؤلؤة في الناس . الخ ) ( 90 ) .
إن الذي ورث غباء الأولين والآخرين ، لا يمكن أن تجتاز عليه هذه الحيلة .
فهل هذا يجري بالاتفاق ! كيف يقول أبو لؤلؤة ذلك ، فيجد كعب الأحبار ينتظر
عمر ليقول له ما قال ! ! لماذا لم يأته قبل ذلك بأشهر أو عشرة أيام أو خمس حتى
يقول له قد بقي لك كذا وكذا ، إذا كانت أوصاف عمر كما رآها في التوراة ثابتة
وقديمة ، كما قرأها قبل البعثة وبعدها . الظاهر أن كعبا هذا كان يرقص على
الحبال ، لذلك أراد أن يثبت نفسه في المجتمع ، بأنه من أهل الأسرار ، وصاحب
الكشوف .
هامش
( 89 ) - ابن الأثير - الكامل - ( ص 49 ج 2 ) .
( 90 ) - نفس المصدر ( ص 50 ) .