تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح فصوص الحكم — صفحة 151

مساهمون:

ص١٥١
إلى الرحمة التي وسعت كل شيء وهي السابقة ) « ما من دَابَّةٍ » أي شيء ، فإن الكل ذو روح إلا هوية الأحدية الذاتية بحكم الصمدية والقيومية مالكة له آخذة بناصيته جاذبة إياه على صراط سبقت رحمته إليه قبل إيجاده . فإذا وجدت الحقائق بنسبتها الذاتية على ما اقتضت أعيانها ، وسلكت بها على طرق أربابها فلا غضب ولا ضلال ثمة ، فإن عرض أحدهما فالمآل إلى الرحمن على ما سيأتي ، والرحمة السابقة هي الغالبة ( وكل ما سوى الحق دابة ، فإنه ذو روح ، وما ثم من يدب بنفسه وإنما يدب بغيره ، فهو يدب بحكم التبعية للذي هو على صراط مستقيم ، فإنه لا يكون صراطا إلا بالمشي عليه ) إنما كان ما سوى الحق ذا روح ، لأن الرحمة امتدت أوّلا إلى رقائق الأشياء وروحانياتها ، وألزمها أشباحها حتى وجدت حقائقها الكونية بها ، فدبت بالأسماء التي يربها الله بها على اختلاف مراتبها ، وكل اسم منها هو الذات الأحدية مع النسبة الخاصة التي هي حقيقة الاسم ، أعنى الصفة المخصوصة ، فكل يدب بحكم التبعية على صراط الذات الأحدية بذاته في ذاته ، فإن الحق المتعين في قابليته يحركه ويسيرة إلى غايته وكماله الخاص به ، فهو يدب بحركة ضعيفة عرضية غير ذاتية ، فإنها بحكم التبعية ، وتلك الحركة هي المشي على الصراط المستقيم ، فإن الصراط هو الذي يمشى عليه . ولما كانت تلك الحركة بالحق في الحق كان الصراط والماشي عليه هو الحق :
( إذا دان لك الخلق فقد دان لك الحق وإن دان لك الحق فقد لا يتبع الخلق )
أي إذا دان وانقاد لك المسمى بالخلق فقد دان لك الحق الظاهر في مظهر ذلك الخلق ، أعنى الهوية الحقيقية المستترة به ، وإن انقاد لك الحق المتجلى في مظهرك بحكم التعين الخاص فلا يلزم أن ينقاد لك الخلق ، لأن الحق المذعن لك حق بلا خلق ، فلا ينحصر في الوجه الذي تجلى به لك فلا تنقاد تلك الخلائق ، لأن تجلياته فيهم بحكم مجاليهم فقد تخالف الوجوه التي بها تجلى لهم وجهه الذي به تجلى لك ، فالظاهر في مظاهرهم يسلكهم في طرق كمالاتهم المخالفة لكمالك وإن كان سلوكهم بالحق للحق لاختلاف الأسماء ومظاهرها :
شرح
أي مآل الغضب ( إلى الرحمة ) الرحمة عند أهل الله على نوعين : رحمة خالصة ، ورحمة ممتزجة بالعذاب ، ففي حق عصاة المؤمنين من أهل النار مآل الغضب إلى الرحمة خالصة من شوب العذاب ، وذلك لا يكون إلا بإدخالهم الجنة ، وفي حق المشركين ما آله إلى الرحمة الممتزجة بالعذاب ، وهذا لا يكون إلا بخلودهم في النار فاعلم ذلك ، وفيه كلام ستسمع في آخر الفص ( فإنه ذو روح ) لأنه مسبح بالنص وكل مسبح ذو روح ، وكله ماش على صراط ربه المستقيم ( فإنه لا يكون صراطا إلا بالمشي عليه ) إذ الصراط عبارة عن المشي والمسافة هذا إذا كان الخلق ظاهرا والحق باطنا ، فحينئذ الحكم للحق في وجود الخلق ، والخلق تابع للحق في حكمه ، وأما إذا كان الخلق باطنا والحق ظاهرا فالحكم للخلق والحق تابع للخلق فيما يطلبه منه ، ففي هذا الوجه ما طلب العبد من الحق شيئا إلا ويعطيه ، وفي الوجه الأول ما حكم الحق على العبد يحكم إلا وهو تابع لحكمه فيما أمره به اه بالى .
شرح فصوص الحكم — صفحة 151 | الشيخ عبد الرزاق القاشاني ( الكاشاني )