غنى عن العالمين لا بأسمائه ، فإنها تقتضي النسب إلى الخلق ( واتصف العالم بالغنى : أي بغنى بعضه عن بعض من وجه ما هو عين ما افتقر إلى بعضه به ، فإن العالم مفتقر إلى الأسباب بلا شك افتقارا ذاتيا ) أي ومن أي حقيقة اتصف العالم بغنى بعضه عن بعض ، كغنى العناصر عن المواليد ، وغنى السمويات عن الأرضيات من حيث أنها لا تتأثر منها وما هو ، أي وليس وجه الغنى عين وجه افتقاره أي افتقار بعضه إلى بعض ، كافتقار العالم من حيث أنه كلى مجموعى إلى كل واحد من أجزائه ، وافتقار المسببات من أجزاء المواليد إلى أسبابها افتقارا ذاتيا لإمكانها بل بغنى بعضه عن بعض من وجه ، وافتقاره إلى ذلك البعض من وجه ، كاستغناء الماء في تبرده وجموده عن الشمس وافتقاره في حرارته وسيلانه إليها .
وفي الجملة إن العالم وإن عرض له الغنى بهذا الاعتبار فلا بد من الافتقار إلى أسبابه بالذات كالظل ، فإن الممكن في ذاته مفتقر إلى أسبابه ( وأعظم الأسباب له سببية الحق ولا سببية للحق يفتقر العالم إليها سوى الأسماء الإلهية ) فإنه يفتقر إلى الإيجاد والربوبية والخالقية وأمثالها ، وهي لا تكون إلا بالأسماء لا في أعيانه ، فإن الأعيان غنية في كونها أعيانا عن السبب ( والأسماء الإلهية كل اسم يفتقر العالم إليه من عالم مثله ، أو عين الحق فهو الله لا غيره ) أي الأسماء الإلهية ما يفتقر إليه العالم سواء كان ذلك الاسم المحتاج إليه من عالم مثله كاحتياج الابن إلى الأب في وجوده ورزقه وحفظه فإنها صور أسماء الحق ومظاهرها ، أو من عين الحق كاحتياج الابن في صورته وشكله وخلقته إلى الحق المصور الخالق وهو ليس من عالم مثله ، فذلك الاسم المحتاج إليه هو الله لا غيره ، أما الأول فلأن سببية الأب ليست من حيث عينه الثابتة ، فإنها معدومة بل من حيث وجوده وفعله وقوته وقدرته ، والوجود عين الحق الظاهر في مظهره ، والفعل والصورة والقدرة والقوة والرزق والحفظ توابع
شرح
( واتصف العالم بالغنى ) يعنى كما أنك اتصفت بالغنى عن ظلك من حيث ذاتك ، كذلك اتصف الحق بالغنى بحسب الذات عن العالم ، فإذا كان ظلك مفتقرا إليك ومستغنيا عنك فقد عرفت منه أن اتصاف بعض بالغنى عن بعض ليس عين افتقاره إلى بعض ، فالولد بالنسبة إلى والده مفتقر من حيث ربوبيته ومستغن من حيث أنه عبد محتاج مثله فاحتياجه من هذه الحيثية إلى الله لا إليه ، فما كان وجه استغنائه وجه افتقاره فاستغناؤه لعدم سببيته فمن وجه في وجوده وافتقاره لوجود سببية هذا البعض ، فكان افتقاره إلى البعض عين افتقاره إلى الحق ، فإن ذلك البعض من حيث الربوبية عين الحق ، وهو معنى قوله ( وبالفقر النسبي ) عرفت أيضا اتصاف الحق بالغنى عن الناس من أي جهة ، وبالافتقار إليه من أي جهة ، فغناؤه بحسب ذاته وافتقاره بحسب ظهور أحكامه ، وإنما افتقر العالم إلى الله كليا كان أو نسبيا ( فإن العالم مفتقر إلى الأسباب بلا شك ) اه بالى .
( ولا سببية للحق ) إذ ما دبر الحق العالم إلا بأيدي أسمائه ، فسبحان من دبر العالم بالعالم اه ( من عالم مثله ) أي مثل المفتقر كالوالد بالنسبة إلى الولد ، فإنه اسم إلهي يفتقر إليه الولد في وجوده الخارجي ، مع أنه من العالم مثل الولد فلا يطلق الاسم على شيء إلا بسبب كونه محتاجا إليه العالم ( أو ) تجلى من ( عين الحق ) فكيف كان ( فهو ) أي الاسم المفتقر إليه ( الله ) أي عين الحق باعتبار الربوبية ( لا غيره ) وإن كان غيره باعتبار الظلية إذ لا يحتاج إليه ولا يطلق عليه الاسم بهذا الاعتبار ، فكان العالم كله من الأسماء والأعيان وغيرها يفتقر