وإضافتها إلى الكلمة ( الأيوبية ) لنزول الخطاب في حقه . فالمراد بالحكمة
( الغيبية ) ظهور الحق له بالسلوك والرياضة والطاعة والعبادة ، وحصول ماء الحياة
التي هي في عين الظلمات بالصبر في أنواع البلايا والمحن الواقعة في نفسه وأهله
وأمواله وأولاده ، فكان كلها رفعا لدرجاته وتحصيلا لكمالاته وترقيا في حالاته
وتجلياته ، لشهوده المبلى والممتحن في عين البلايا والمحن ، وصبر به على مقاساة
الشدائد ومتاعبها ، ولم يشتغل بإزالتها ومداراتها حتى وصل في عين القرب
من الرب وحصل في مقام الأنس برفع وحشة الطلب ، فنادى : ( إني مسني
الشيطان بضر ) . فكشف الله عنه ضره وطهر عن أدناس الموانع سره .
لا يقال : إنما سمى حكمته ( غيبية ) لأن أموره كلها ما ظهرت إلا من الغيب
أولا وآخرا . لأن أهل العالم كلهم لا يظهر أمورهم إلا من الغيب ، فلا اختصاص
حينئذ ( 1 )
هامش
( 1 ) - وما ذكره الشارح العلامة بقوله : ( لا يقال . . . ) . فمدفوع بأن المراد أن أمور الأيوب ،
عليه السلام ، أولا وآخرا ظهرت من الغيب من غير سبب معهود وموجب مشهود ،
وأهل العالم لا يظهر أمورهم في الأكثر إلا بأسباب معهودة وموجبات مشهودة ، فظهر حينئذ
الإختصاص ، وظهر أيضا عدم توجه الشارح العلامة بما ذكره شيخه وأستاذه ،
كمال الدين الكاشاني ، وعدم رجوعه إلى ما حققه الشارح الأول لكتاب الفصوص .
ونحن نذكر ما ذكره الشارح الجندي على سبيل التخليص ونقول : قال المؤيد الجندي في أول
هذا الفص : ( لما كانت أحواله ، عليه السلام ، في زمان الابتلاء وقبله وبعده غيبية ،
أسندت هذه الحكمة ( الغيبية ) إلى الكلمة ( الأيوبية ) . وأما قبل زمان الابتلاء ، فلأن الله
تعالى أعطاه من الغيب بلا كسبه ما لم يعط أحدا ، من المال والبنين والزرع والضرع والخول
والعبيد . وأما في زمان الابتلاء ، فلأنه كان يصعد له من الأعمال الزاكية مثل ما يصعد من
أهل الأرض أو أوفى . فغار عليه الإبليس وبنوه وفصده بالأذية ، هو وذووه . والقصة
مشهورة . وهو ، عليه السلام ، مع كثرة الأموال والبنين والبنات والزرع والضرع والمواشي
كان يشكر الله كثيرا . فألقى عليه اللعين : إنه لو كان في حال الابتلاء والفقر صبورا
وشكورا ، لكان أعظم قدرا وأعلى مكانة . وقد ابتلى ، عليه السلام ، بالفقر وموت الأبناء
والأولاد وإعراض جل أهله وذويه . وبعد غيبة أهله وابتلائه بالفقر ، مسه الشيطان بضر
في نفسه وهجمت عليه ، عليه السلام ، الآلام والأسقام ، وتولد الدود في جسمه . وهو ،
عليه السلام ، عرف السر بنور النبوة ، ولم يجزع ، وتوجه بتمام وجوده إلى الحق وصبر
على المصائب ، وكان عبدا شكورا مقبلا إلى الحق . وكان ابتلاؤه من غير الأسباب المعهودة
والعادية . وأما رفع ابتلائه ودفع آلامه وأسقامه ورد ما أخذه الله عنه من البنين والبنات ،
كل ذلك كان من قوة إيمانه بالحق وثقته بما ادخره الله في خزائن غيبه وفتح الله له من
غير الأسباب والعلل المعهودة . ولهذا صدر الشيخ الكبير الفص الخاص به ، عليه السلام ،
بالحكمة ( الغيبية ) . ( ج )