ذلك المرور والمتابعة ، كمتابعتنا للرب في قوله تعالى : ( وما من دابة إلا هو آخذ
بناصيتها إن ربى على صراط مستقيم ) . وامتناع مفارقتنا منه لكون نواصينا في
يده .
فقوله : ( ذلك ) مبتدأ ، خبره : ( كما كنا نحن ) . ولا يتوهم أنه مفعول
لقوله : ( معتقدة ) .
( فنحن معه بالتضمين ، وهو معنا بالتصريح . فإنه قال : ( وهو معكم أينما
كنتم ) . ونحن معه لكونه آخذا بنواصينا . ) لما كان كل ما هو مشهود ومحقق
عين الوجود الحق ، والأعيان باقية على حال عدمها ، أو موجودة بالوجود ،
وكان الحق معنا ظاهرا صريحا ، وأعياننا معه باطنا وضمنا . هذا في التحقق .
وكذلك في المشي على الصراط المستقيم : فإنه يكون على الصراط صريحا ، ونحن
عليه بالتبعية ، لأنه ليس في الوجود غيره ، وأعياننا العدمية على ذلك الصراط
بتبعيته وفي ضمن وجوده ، لكونه آخذا بنواصينا .
( فهو تعالى مع نفسه حيث ما مشى بنا من صراطه . فما أحد من العالم إلا على
صراط مستقيم ، وهو صراط الرب تعالى . ) أي ، إذا كان كل ما هو مشهود
عين الحق ، فالحق مع نفسه حيث ما كان ، إذ ليس هويتنا إلا وجودا متعينا ،
والوجود عين الحق ، فهو مع نفسه لا مع غيره ، وهو على صراط مستقيم ، فما أحد
من العالم إلا وهو على صراط مستقيم . وهو صراط الرب أي ، صراط اسم
( الرب ) ، إذ لكل اسم صراط خاص موصوف بالاستقامة بالنسبة إلى
ذلك الاسم ، وصراط الله هو المستقيم المطلق الجامع للطرق كلها ، وله الربوبية
الكاملة . لذلك قال تعالى : ( الحمد لله رب العالمين ) .
( وكذا علمت بلقيس من سليمان ، فقالت : ( لله رب العالمين ) . وما خصصت
عالما من عالم . ) أي ، علمت بلقيس أن سليمان
مع الله بالتبعية ، فتبعته لتكون مع الله بالتبعية . وما خصت في قولها : ( رب العالمين ) عالما من عالم ، ليكون لها
نصيبا من الربوبية في العوالم كلها ، فإن الله يرب جميع العالمين وهي بالتبعية معه .
( وأما التسخير الذي اختص به سليمان ، عليه السلام ، وفضل به غيره
و
شرح فصوص الحكم — صفحة 938
مساهمون: محمد داوود قيصري رومي
ص٩٣٨