كانت علوم الأنبياء ، عليه السلام ، مأخوذة من الوحي ، كانت قلوبهم ساذجة مما
يتعلق بالنظر العقلي ، لأنه طريق الانتقاش بالتعمل والكسب . والأمر ، كما هو ،
لا يتجلى إلا في القلب المجلو الفارع عن النقوش . والإخبار لا يمكن إلا عما
يمكن التعبير عنه ويسمع العبارة ، أما مالا يمكن ، كالوجدانيات والمدركات
بالذوق ، فيقصر الإخبار أيضا عن إيضاحه ، فلا
يحصل العلم التام به ، كمالا يحصل بطريق النظر العقلي ، فلم يبق أن يدرك الحقائق على ما هي عليه إلا
في التجلي الإلهي ، ليشاهد تارة في العالم المثالي المقيد ، وأخرى في المطلق ، وأعلى
منهما في عالم المجردات ، وأعلى من ذلك أيضا في عالم الأعيان ، فيحصل الاطلاع
بحقائق الأمور ، قديمها وحديثها وعدمها ووجودها ومحالها وواجبها ، على ما هي
عليه في حقائقها وأعيانها .
فجواب ( لما ) قوله : ( فقلوبهم ) . و ( ما ) في ( وما يكشف ) مصدرية .
أي ، فلم يبق العلم الكامل إلا في التجلي وكشف الحق . و ( من ) في قوله :
( من الأغطية ) للبيان ، والمبين مقدر . وهو ما طرأ على أعين البصائر والأبصار ،
فمنعها عن شهود الحقائق والأسرار . ويجوز أن يكون ( ما ) بمعنى الذي ،
و ( من الأغطية ) بيانا له . فمعناه : فلم يبق العلم الكامل إلا في التجلي وفيما
يكشف الحق ، أي ، يرفعه الحق عن أعين البصائر والأبصار من الأغطية . وهذا
أنسب .
وإنما قال : ( عن أعين البصائر والأبصار ) لأن الأغطية إذا ارتفعت ، يتحد
النوران : نور البصيرة ونور البصر ، فيدرك بكل منهما ما يدرك بالآخر ، وكذلك
يدرك بالسمع ما يدرك بالبصر وبالعكس . هذا أيضا من خصوصيات الكشف
التام الذي هو فوق طور العقل .
( فلما كان مطلب ( العزيز ) على الطريقة الخاصة ، لذلك وقع العتب عليه ، كما
ورد في الخبر . ولو طلب الكشف الذي ذكرناه ، ربما كان لا يقع عليه عتب في ذلك .
) المراد ب ( الطريقة الخاصة ) طريق الذوق . وهو الاتصاف هنا بصفة القدرة
على الإحياء ذوقا . وإنما وقع العتب عليه ، لأنها من الخصائص الإلهية ويدل
شرح فصوص الحكم — صفحة 825
مساهمون: محمد داوود قيصري رومي
ص٨٢٥