وجود الأشياء صادر من الله في كل آن بحسب القوابل ، كإفاضة الصورة الإنسانية
على النطفة الإنسانية والصورة الفرسية على النطفة الفرسية . وهذا أظهر شئ
في الوجود . وكما
يترتب إفاضة الصور على الأشياء بالاستعداد والقابلية ، كذلك يترتب إفاضة لوازمها على قابلية تلك الصور . وهذا أيضا أمر بين عند العقل .
وكثير من الأشياء البالغة في الظهور قد يختفي اختفاء لا يكاد يبدو ، كالوجود والعلم
والزمان ، وأنواع الوجدانيات والبديهيات أيضا كذلك . والطلب والإلحاح على
معرفة سر القدر من الأنبياء ، عليهم السلام ، إنما كان للاحتجاب . فإن النبي إذا
اطلع عليه ، لا يقدر على الدعوة وإجراء أحكام الشريعة على الأمة ، بل يعذر كلا
منهم فيما هو عليه لإعطاء عينه ذلك ( 9 )
( واعلم ، أن الرسل ، صلوات الله عليهم ، من حيث هم رسل ، لا من حيث
هم أولياء وعارفون على مراتب ما هي عليه أممهم ، فما عندهم من العلم الذي أرسلوا
به إلا قدر ما تحتاج إليه أمة ذلك الرسل ، لا زائد ولا ناقص ) أي ، الرسل من حيث
إنهم رسل ، ما أعطى لهم العلم إلا قدر ما يطلب استعدادات أمته ، لا يمكن أن
يكون زائدا عليه ولا ناقصا منه ، لأن الرسول إنما هو مبلغ لما أنزل إليه ، كقوله
تعالى : ( بلغ ما أنزل إليك وما عليك إلا البلاغ إن أنت إلا نذير مبين ) . لأحكام
أفعالهم لإصلاح معاشهم ومعادهم . والتبليغ والتبيين لا يكون إلا بحسب
استعدادات المبلغين إليهم وأفعالهم ، لا زائدا ولا ناقصا . وأما من حيث إنهم
أولياء فانون في الحق ، أو أنبياء عارفون ، فليس كذلك ، لأن هاتين الصفتين
بحسب استعداداتهم في أنفسهم ، لا مدخل لاستعداد الأمة فيها .
هامش
( 9 ) - قوله : ( لا يقدر على الدعوة . . . ) . ليس الاطلاع على سر القدر مانعا عن الدعوة وإجراء
أحكام الشريعة ، فإن ذلك أيضا من سر القدر : فعين العاصي يقتضى العصيان ويقتضي
إجراء الحد عليه ، وعين النبي يقتضى الدعوة وتبليغ الحجة ، فالنبي يبلغ الحجة بمقتضى عينه الثابتة ، والعاصي يعصى بمقتضى عينه الثابتة ، ويقتضي
عينه إجراء الحدود عليه .
( الامام الخميني مد ظله )