ولما كانت النشأة الدنياوية منقضية متناهية ، يتوجه تلك القوة إلى الضعف
إلى أن تفنى . ولكون الآخرة دائمة أبدية ، تزداد القوى الروحانية ،
إلى أن ينتهى إلى الكمال المقدر له . وقوله تعالى : ( لكيلا يعلم من بعد علم شيئا ) . إشارة إلى
فناء قابلية الآلة التي بها يظهر العلم في الخارج ، لأن النفس الناطقة يطرء عليها
الجهل بعد العلم ، وإلا ما كان تبقى العلم بعد المفارقة .
( فإن قلت : فما يمنعه من الهمة المؤثرة ، وهي موجودة في السالكين من الاتباع ،
والرسل أولى بها ؟ قلنا : صدقت ، ولكن نقصك علم آخر . وذلك أن المعرفة لا تترك
للهمة تصرفا ، ( 3 ) فكلما علت معرفته ، نقص تصرفه بالهمة . وذلك لوجهين : الوجه
الواحد ، لتحققه بمقام العبودية ونظره إلى أصل خلقه الطبيعي . ) أي ، لظهوره
بمقام العبودية ، وهي يقتضى الإتيان بأوامر السيد . والتصرف إنما يكون
عند الظهور بالربوبية ، لأن للسيد المالك أن يتصرف في ملكه لا لعبده ، ولنظره
إلى أصل خلقه الطبيعي ، وهو الضعف والعجز ، كما قال تعالى : ( الله الذي
خلقكم من ضعف ) .
( والوجه الآخر ، أحدية المتصرف والمتصرف فيه . فلا يرى على من يرسل همته
فيمنعه ذلك . ) والوجه الآخر ، أن العارف يعرف أن المتصرف والمتصرف فيه
في الحقيقة واحد ، وإن كانت الصور مختلفة ، فلا يرى أحدا غيره ليرسل همته
عليه ، فيهلكه فيمنع المتصرف ذلك العرفان عن تصرفه .
ف ( الرؤية ) رؤية البصر ، و ( من ) مفعوله . و ( على ) متعلق بقوله :
( يرسل ) . ويجوز أن يكون ( الرؤية ) بمعنى العلم ، و ( من ) استفهامية . أي ،
فلا يعلم على أي موجود يرسل همته على سبيل القهر والغضب ، فيهلكه . وليس
في الوجود غيره .
هامش
3 - قوله : ( أن المعرفة لا تترك الهمة . . . ) وأما إظهار المعجزات على أيدي الأنبياء ، فلأن
الاحتياج دعاهم إلى ذلك ، بل هو لبسط ربوبية الحق ، لا لإظهار قدرتهم ، ولذا كان
ديدنهم بحسب الغالب التوجه الظاهري إلى الله تعالى . ( الامام الخميني مد ظله )