وأيضا ، ( التصرف ) إنما يكون بالجهة الربوبية . فالمتصرف إن قلنا إنه رب ،
فليس للعبد فيه شئ ، وهو المالك يفعل في ملكه ما يشاء . وإن قلنا إنه عبد ، فلا
يخلو من أنه يتصرف بأمر المالك أو لا . فإن كان بالأمر على التعيين ، فالمتصرف
أيضا المالك على يد العبد ، وهو آلة فقط . وإن كان بالأمر على الإجمال ، كقول
المالك : تصرف فيما شئت ، فهو بما شئت . فهو الخليفة . وهو أيضا مظهر الرب لا
يفعل شيئا لنفسه . فإن لم يفعل بأمر المالك ، يعلم أن المتصرف فيه هو الحق الظاهر
بتلك الصورة ، أو لا . فإن علم ، فهو ممن أساء الأدب مع الله ، فلا يكون
تام المعرفة . وإن لم يعلم ، فهو الجاهل بمرتبة المتصرف فيه ، وبجهله يرسل همته
عليه بالإهلاك .
فالحاصل أن المعرفة تمنع العارف من التصرف . ومن تصرف من الأنبياء
والأولياء ، إنما تصرف بالأمر الإلهي ، لتكميل المتصرف فيه والشفقة عليه ، وإن
كانت الصورة صورة الإهلاك .
( وفي هذا المشهد يرى أن المنازع له ما عدل عن حقيقته التي هو عليها في حال
ثبوت عينه وحال عدمه ، فما ظهر في الوجود إلا ما كان له في حال العدم في الثبوت ، فما
تعدى حقيقته ، ولا أخل بطريقته . )
( المشهد ) مقام الشهود . أي ، وفي هذا المقام من المعرفة ، وهو مقام
شهود الأحدية ، يعلم العارف أن من ينازعه وينازع الأنبياء والأولياء ما عدل عن
اقتضاء حقيقته التي هي العين الثابتة ، فإنها كانت على المنازعة مع حقائق الأنبياء
والأولياء حال كونها ثابتة في العدم ، لأن حقائقهم اقتضت الهداية والرشاد وطاعة
أمر الله ، وحقيقة المنازع معهم اقتضت الضلالة والغواية والإباء عما جاء
به النبي . فكل على طريقته الخاصة به ، وكل عند ربه مرضى . كما مر بيانه . فما
ظهر في الوجود العيني شئ إلا على صفة ما كانت عليها في الوجود العلمي ، فما
تعدى المنازع عن حقيقته ، ولا أخل بشئ في طريقته .
( فتسمية ذلك نزاعا ) أي ، ب ( النزاع ) . ( إنما هو أمر عرضي ، أظهره
الحجاب الذي على أعين الناس ، كما قال الله تعالى فيهم : ( ولكن أكثر الناس لا يعلمون
شرح فصوص الحكم — صفحة 802
مساهمون: محمد داوود قيصري رومي
ص٨٠٢