والذين لا يعلمون ؟ ) ) أي ، هذا الاتحاد والجعل إنما ينبغي أن يكون بناء على
شهود الحق في كلتا الحضرتين - حضرة المحامد وحضرة المذام - حتى يتميز العالم
العارف من الجاهل بالأمر على ما هو عليه . فإنه إذا لم يكن عن شهود الحق ، يكون
محجوبا بنفسه من ربه لرؤيته الأفعال من نفسه - حسنها وقبيحها - فيلحق
بالمشركين .
ولما كان العلم الصحيح هو الذي يكون مركوزا في الباطن والعالم يتذكره
بحسب التوجه إليه ، أردفه بقوله : ( ( إنما يتذكر أولوا الألباب ) . وهم الناظرون في
لب الشئ الذي هو المطلوب من الشئ ) . لأن علومهم وجدانيات - يظهر عليهم
عند صفاء قلوبهم ، فتحصل لهم التذكرة بما هو مركوز فيهم فائض عليهم من
مقام التقديس - لا تعملي كسبي بالعقل المشوب بالوهم والفكر المخيل بالفهم .
( فما سبق مقصر مجدا ) . أي ، فما رأينا سبق من أهل التقصير والنقصان ، من
اجتهد في تحصيل الكمال وعمل بما يرضى به الرحمان . قال تعالى : ( والذين
جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا ) .
وفرق بين أهل الاجتهاد أيضا بقوله : ( كذلك لا يماثل أجير عبدا ) . فإن
الأجير لا يزال نظره إلى الأجرة ، والعبد لا يعمل للأجرة ، بل للعبودية . والأجير
ينصرف عند وصول أجرته من باب المستأجر ، والعبد ملازم لباب سيده . فالعالم
بمقام عبوديته العامل بمقتضى أوامر سيده ، ليس كالعامل الجاهل ، فإنه يعمل
للخلاص من النار وحصول الجنة .
( وإذا كان الحق وقاية للعبد بوجه ) وهو كون الحق ظاهر العبد . ( والعبد
وقاية للحق بوجه ) . وهو كون العبد ظاهر الحق .
( فقل في الكون ما شئت . إن شئت قلت هو الخلق ) . كما يقول المحجوبون ،
باعتبار صفات النقص . ( وإن شئت قلت هو الحق ) . كما يقول الموحدون ،
باعتبار صفات الكمال . ( وإن شئت قلت هو الحق والخلق ) . ، باعتبار الجمع
بين الكمال والنقصان . ( وإن شئت قلت لا حق من كل وجه ، ولا خلق من كل
وجه ) . كما يقول المحققون الجامعون بين المراتب الإلهية والعبودية . ( وإن شئت
شرح فصوص الحكم — صفحة 740
مساهمون: محمد داوود قيصري رومي
ص٧٤٠