( فمن أنت ؟ ) أي ، إذا علمت أن الحق هو عين السالك وعين الطريق
الذي يسلك السالك فيه ، فقد علمت من أنت ، حق أو خلق .
ثم حرص السالك ليعلم أن حقيقته حق ، وطريقته حق ، ولا يشاهد غيره
في الوجود ، فيلحق بأرباب الكشف والشهود بقوله : ( فاعرف حقيقتك
وطريقتك . فقد بان لك الأمر على لسان الترجمان إن فهمت ) . أي ، ما ذكرته لك .
وجواب الشرط متقدم ، وهو قوله : ( فقد بان لك الأمر ) .
والمراد ب ( الترجمان ) نفسه . لأنه يترجم عما أراه الله من حقيقة الأمر . أو
هود ، عليه السلام ، حيث قال : ( ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها ) . أو نبينا ،
صلى الله عليه وسلم ، حيث قال عن الله : ( كنت سمعه وبصره . . . ) مع أن
جميع الأنبياء والأولياء ترجمان الحق .
( فهو لسان حق ) . أي ، لسان الترجمان لسان الحق . ( فلا يفهمه إلا من
فهمه حق ) . - بتشديد ( الهاء ) ، من ( التفهيم ) . أي ، لا يفهم الأمر على ما هو عليه
ولا يطاع على المراد إلا من فهمه بإلقاء نوره على قلبه .
ويجوز أن يكون ( الهاء ) ساكنة . أي ، لا يفهم معنى لسان الترجمان الإلهي
إلا من فهمه حق . أي ، صار الحق عين فهمه . كما يصير عين سمعه وبصره وقواه
وجوارحه ، فيفهم بالحق كلام الحق .
( فإن للحق نسبا كثيرة ووجوها مختلفة ) . يتجلى بها على أعيان الموجودات
بحسب استعداداتها . ( ألا ترى عادا ، قوم هود ، كيف ( قالوا ، هذا عارض
ممطرنا ) . فظنوا خيرا بالله ) . أي ، ألا ترى أن قوم هود كيف قالوا لما تجلى
عليهم الحق في صورة السحاب ، إن هذا عارض . أي ، سحاب ممطرنا وينفعنا .
فظنوا أن الحق تجلى لهم بصورة اللطف والرحمة . ( وهو عند ظن عبده به . فأضرب
لهم الحق عن هذا القول ، فأخبرهم بما هو أتم وأعلى في القرب ) . أي ، أضرب
بقوله : ( بل هو ما استعجلتم به ) . أي ، هو مطلوبكم الذي يوصلكم إلى كمالكم
ويعطيكم الخلاص من أنانيتكم ، ويخرجكم من عالم التضاد والظلمة إلى
عالم الوفاق والرحمة . وإنما كان هذا المعنى أتم وأعلى .
شرح فصوص الحكم — صفحة 724
مساهمون: محمد داوود قيصري رومي
ص٧٢٤