ولا يعرف غايتها ، أي أنها ينتهى إلى الحق ، فهي في حقه ليس صراطا مستقيما ،
وإن كان عند العارفين هي بعينها صراطا مستقيما .
( فالعارف يدعو إلى الله على بصيرة ) لأنه يعلم إلى من يدعو الخلق
ومن الداعي ومن المدعو ، ومن حكم أي اسم من الأسماء يأخذه ويخلصه ، وفي
حكم أي اسم يدخله ويريحه . ( وغير العارف يدعو إلى الله على التقليد والجهالة ) .
قال تعالى عن لسان نبيه ، صلى الله عليه وسلم : ( قل هذه سبيلي . أدعو إلى الله
على بصيرة أنا ومن تبعني ) . وهم الأولياء الوارثون لدعوة الأنبياء ، لا المقلدون
من أرباب الجهالة .
( فهذا علم خاص يأتي من أسفل سافلين ، لأن ( الأرجل ) هي السفل
من الشخص ، وأسفل منها ما تحتها ، وليس إلا الطريق ) . أي ، علم الكشف يحصل
للسالك من أسفل السافلين ، لأن ( الرجل ) أسفل أعضاء الإنسان ، وأسفل منها
هي الطريق التي تمشى الرجل عليها . فالمجرمون ، الذين كسبوا ما هو سبب
إفنائهم وهلاكهم ، ففنوا في الحق وبقوا به ، وانكشف عنهم الغطاء ، وارتفع
عنهم الحجاب ، فعلموا حقيقة الطريق والطارق والمطروق إليه . ما حصل لهم
ذلك إلا من أسفل سافلين . ولهذا رد الإنسان إلى ( أسفل سافلين ) . فإن
تحصيل الكمالات متوقف على المرور بجميع المراتب والمقامات ، كما قال تعالى :
( لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم ثم رددناه أسفل سافلين ) .
( فمن عرف الحق عين الطريق ، عرف الأمر على ما هو عليه ، فإن فيه جل وعلا
يسلك ويسافر ، إذ لا معلوم إلا هو ، وهو عين السالك والمسافر ، فلا عالم إلا هو ) .
أي ، فمن عرف أن الطريق الذي يسلك عليه وهو عين الحق - لأن السلوك
من الآثار إلى الأفعال ، ومنها إلى الأسماء والصفات ، ومنها إلى الذات ، وجميعها
مراتب الحق ، والحق هو الظاهر فيها ، ولا موجود ولا معلوم إلا هو - فقد
عرف الأمر على ما هو عليه ، وعرف أن سلوكه وسفره وقع في الحق ، وعرف
أن الحق هو الذي يسلك ويسافر في مراتب وجوده لا غير . فالعالم والمعلوم هو
لا غيره .
شرح فصوص الحكم — صفحة 723
مساهمون: محمد داوود قيصري رومي
ص٧٢٣