ما كان إلا توهما محضا ، فانقلب جهنم في حقهم بالنعيم ، لأنهم كسبوا
باستعدادهم ذلك ، فصاروا عارفين بالله ومراتبه . ولكن بعد أخذ ( المنتقم ) منهم
حقه .
وتحقيق هذا المعنى أن ( جهنم ) مظهر كلي من المظاهر الإلهية ، يحتوي على
مراتب جميع الأشقياء ، كما أن ( الجنة ) مظهر كلي ، يحتوي على جميع
مراتب السعداء . فأعيان الأشقياء إنما يحصل كما لهم بالدخول فيها ، كما أن
أعيان السعداء يحصل كمالهم بدخول الجنة . وإليه أشار النبي ، صلى الله عليه
وآله وسلم ، بقوله : ( إن العبد لا يزال يعمل بعمل أهل الجنة حتى لا يبقى بينه
وبين الجنة إلا شبرا ، فيعمل عمل أهل النار فيدخل فيها . ولا يزال العبد يعمل
بعمل أهل النار حتى لا يبقى بينه وبين النار إلا شبرا ، فيعمل عمل أهل الجنة
فيدخل فيها ) . فكل من الأشقياء إذا دخل جهنم ، وصل إلى كماله الذي يقتضيه
عينه . وذلك الكمال عين القرب من ربه ، كما أن أهل الجنة إذا دخلوا فيها ،
وصلوا إلى كمالهم ومستقرهم ، وقربوا من ربهم . هذا إذا كان المراد ب
( المجرمين ) أهل النار . وأما إذا كان المراد بهم السالكين ، فالمراد بجهنم
دار الدنيا ، ولا إشكال حينئذ .
( فما أعطاهم هذا المقام الذوقي اللذيذ من جهة المنة . وإنما أخذوه بما استحقته
حقائقهم من أعمالهم التي كانوا عليها ) . أي ، فما أعطاهم الحق هذا المقام ، أي
مقام الفناء ، على سبيل الفضل والمنة ، كما لأهل الجنة ، بل إنما أخذوه بما أعطتهم
أعيانهم من الأعمال التي كانوا عليها .
( فكانوا في السعي في أعمالهم على صراط الرب المستقيم ، لأن نواصيهم كانت
بيد من له هذه الصفة ) . أي ، وكانوا في سعيهم في أعمالهم التي عملوها بحسب
متابعة الهوى والنفس ، على الصراط المستقيم الذي لربهم الحاكم عليهم
بالربوبية . هذا على الأول .
وعلى الثاني ، كانوا في سعيهم في الرياضات والمجاهدات مع النفس
وتحمل المشاق والأعمال الشرعية ، على الصراط المستقيم ، لأن نواصيهم
شرح فصوص الحكم — صفحة 720
مساهمون: محمد داوود قيصري رومي
ص٧٢٠