( ففضل إسماعيل ، عليه السلام ، غيره من الأعيان بما نعته الحق به من كونه
( عند ربه مرضيا ) ظاهر . وكذلك كل نفس مطمئنة قبل لها : ( إرجعي إلى ربك ) . فما
أمرها أن ترجع إلا إلى ربها الذي دعاها فعرفته من الكل ( راضية مرضية ) ) . أي ،
وكذلك كل نفس اطمأنت وتركت الهوى واللذة الفانية ، فهي راضية من ربها
مرضية عنده ، كما قال تعالى : ( يا أيتها النفس المطمئنة إرجعي إلى ربك راضية
مرضية ) . فأمرها أن ترجع إلى ربها الذي دعاها ، أي ، طلبها من الحضرة الإلهية
الجامعة أن يكون مظهرا لكماله ومجلى لأنواره ومحلا لظهور سلطنته وأفعاله .
فعرفت تلك النفس المطمئنة ربها من بين الأرباب ، فصارت راضية منه ومن
أفعاله مرضية عنده .
( ( فادخلي في عبادي ) من حيث ما لهم هذا المقام . فالعباد المذكورون هنا ، كل
عبد عرف ربه تعالى واقتصر عليه ولم ينظر إلى رب غيره مع أحدية العين لا بد من
ذلك ) . ( ما ) في قوله : ( من حيث ما لهم ) زائدة . أي ، فادخلي في زمرة
عبادي الذين يعرفون أربابهم ، وصاروا راضين مرضيين بهم وأفعالهم ،
واقتصروا على أربابهم ، ولم ينظروا إلى غير أربابهم ولم يطلبوا إلا ما يفيض عليهم
منهم مع أحدية الذات الإلهية الذي هو رب الأرباب كلها .
( ( وادخلي جنتي ) التي هي ستري ) . بكسر السين . أي ، حجابي . وفي
بعض النسخ : ( بها سترى ) . بفتح السين .
واعلم ، أن ( الجنة ) في اللغة عبارة عن أرض فيها أشجار كثيرة بحيث
يستر الأرض بظلها . مأخوذ من ( الجن ) وهو الستر . فالجنة مرة من ( الجن ) الذي
هو ( الستر ) . وفي اصطلاح علماء الظاهر عبارة عن مقامات نزهة ومواطن محبوبة
من الدار الآخرة ، وهي جنة الأعمال والأفعال . وللعارفين جنات أخر غيرها .
وهي جنات الصفات ، أعني ، الاتصاف بصفات أرباب الكمال والتخلق بأخلاق
ذي الجلال . وهي على مراتب ، كما أن الأول على مراتب . ولهم جنات الذات .
وهي ظهور رب كل منهم عليهم واستتارهم عنده في أربابهم . هذه الجنات الثلاث
للعبد .
شرح فصوص الحكم — صفحة 648
مساهمون: محمد داوود قيصري رومي
ص٦٤٨