إشارة إلى قوله تعالى : ( إن تتقوا الله يجعل لكم فرقانا ويكفر عنكم سيئاتكم
ويغفر لكم ذنوبكم ) . وقوله : ( ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا
يحتسب ) .
وللتقوى مراتب : فإن تقوى العوام ، الإتقاء عن النواهي . وتقوى الخواص ، الإتقاء عن إسناد الكمالات إلى أنفسهم والأفعال والصفات
إليها . وتقوى الأخص من الكمل ، الإتقاء عن إثبات وجود الغير مع الحق فعلا
وصفة وذاتا . وهذه مراتب التقوى لله . وهو قبل الوصول إلى مقام الجمع .
وأما مراتب التقوى بالله وفي الله ، فهو إنما يكون عند البقاء بعد الفناء .
ولكل مرتبة من مراتب التقوى فرقان يلزمها . فأعظم الفرقانات ما يكون في
مقام الفرق بعد الجمع .
( وهو مثل ما ذكرنا في هذه المسألة فيما يتميز به العبد من الرب . وهذا الفرقان
أرفع فرقان ) . أي ، ذلك الفرقان الحاصل من التقوى بالله وفي الله ، هو
مثل الفرقان الذي ذكرناه في هذه المسألة من تميز العبد من الرب . وهذا الفرقان
أرفع فرقان ، لأن الحق هو الذي ظهر بصورة العبد ، وأظهر فيه صفة الخالقية ،
فاشتبه على الخلق بأنه عبد أو حق . شعر
( فوقتا يكون العبد ربا بلا شك
لأنه يظهر بالصفات الإلهية والربوبية ، وإن كانت عرضية بالنسبة إليه .
ووقتا يكون العبد عبدا بلا إفك ) لأنه يظهر بصفة العجز والقصور .
والعبودية ذاتية للعبد بخلاف الربوبية ، فإنها عرضية له . وإنما قال : ( ووقتا )
لأنه كل ساعة في شأن : تارة في شؤون الكون ، وتارة في شؤون الحق .
واعلم ، أن لكل إنسان نصيبا من الربوبية . وأما الربوبية التامة هي
للإنسان الكامل ، لأنه الخليفة ، وكذلك له العبودية التامة . فلو تحمل
هذه الأبيات على الكامل تكون صحيحا ، وعلى غيره أيضا كذلك . فافهم .
( فإن كان عبدا ، كان بالحق واسعا
أي ، فان ظهر العبد بصفة العبودية ، كان واسعا بالحق قادرا على الأشياء بحوله
و
شرح فصوص الحكم — صفحة 636
مساهمون: محمد داوود قيصري رومي
ص٦٣٦