( ولما خافت نفوس العمال منا ، أتبع المعية بقوله : ( ولن يتركم أعمالكم ) .
فالعمل يطلب المكان ، والعلم يطلب المكانة ، فجمع لنا بين الرفعتين : علو المكان
بالعمل ، وعلو المكانة بالعلم ) . أي ، لما علم الزهاد والعباد الذين لا علم لهم
بالحقائق ولا معرفة أن علو المكانة إنما هو بحسب العلم والكشف الحقيقي
وخافت نفوسهم وحسبوا أن لا نصيب لهم من العلو ، ذكر الحق في كلامه بعد قوله :
( والله معكم ولن يتركم ) . أي ، لا ينقصكم الحق أعمالكم ، فيكون لكم علو
المكان بحسب أعمالكم . وإنما كان علو
المكانة للعلم وعلو المكان للعمل ، لأن المكانة للروح ، كما أن المكان للجسم ، والعلم روح العمل والعمل جسده .
فاقتضى كل منهما بحسب المناسبة ما يشبهه ويماثله : فعلو المكانة للعالم ، وعلو
المكان للعامل ، ومن جمع بينهما فله العلوان .
( ثم قال تنزيها للاشتراك بالمعية : ( سبح اسم ربك الأعلى ) . عن هذا
الاشتراك المعنوي ) . ولما قال : ( والله معكم ) . وأثبت له العلو أيضا ، كما أثبته
لنا ، وهو له لذاته ولنا بالتبعية ، فنزه عن هذا الاشتراك المعنوي بقوله : ( سبح
اسم ربك الأعلى ) الذي له العلو الذاتي ، وليس ذلك لأحد غيره .
( ومن أعجب الأمور كون الإنسان أعلى الموجودات ، أعني الإنسان الكامل ،
وما نسب إليه العلو إلا بالتبعية ، إما إلى المكان وإما إلى المكانة ، وهي المنزلة ) كون
الإنسان أعلى الموجودات ، إنما هو باعتبار مرتبته الجامعة للمراتب كلها . أي ،
ومن أعجب الأمور أنه أعلى مرتبة من جميع الموجودات ، وليس له العلو بذاته ، بل
باعتبار المكان الذي هو دونه ، أو باعتبار المكانة وهي المرتبة .
( فما كان علوه لذاته ، فهو العلى بعلو المكان والمكانة ، فالعلو لهما ) . أي ،
فليس علو الإنسان الكامل من كونه أعلى الموجودات علوا ذاتيا ، فهو على بعلو
المكان والمكانة لا لذاته ، فالعلو للمكان والمكانة لا له . وعلو هما أيضا إنما هو من
تجليه لهما باسمه ( العلى ) . فالعلو الذاتي لا يكون إلا لله .
ويجوز أن يكون ( ما ) بمعنى الذي ، ويكون المراد تشبيه الحق بما نزهه عنه ،
وهو كونه عليا بعلو المكان والمكانة . ويعضده قوله : ( فعلو المكان ( كالرحمن على
شرح فصوص الحكم — صفحة 545
مساهمون: محمد داوود قيصري رومي
ص٥٤٥