قال : ( كنت سمعه وبصره ) . فينادون بلسان حالهم :
تسترت عن دهري بظل جناحه * فعيني دهري وليس يراني
فلو تسأل الأيام ما اسمى ما درت * وأين مكاني ، ما درين مكاني
( فلو أخرجهم إلى السيف ، سيف الطبيعة ، لنزل بهم عن هذه الدرجة
الرفيعة ) أي ، لو أخرجهم الحق من الجناب الإلهي والحضرة القدسية إلى عالم
بشريتهم ، مرة أخرى ، لنزل بهم عن هذه الدرجة الرفيعة إلى ساحل
بحر الطبيعة . إذ ( السيف ) ، بكسر السين وسكون الياء ، هو الساحل . وهذا
حال المهيمين في جمال الله ، ليس لهم الرجوع إلى الخلق ثانيا ، كما لغيرهم من
الكمل المكملين . وإنما قال : ( إلى السيف ، سيف الطبيعة ) . ولم يقل : إلى
الطبيعة . لأن الكمل الراجعين من الحق إلى الخلق وإن نزلوا إلى الطبيعة ثانيا ،
لكنهم لهم يظهروا بها وبآثارها كظهورهم قبل سلوكهم ، بل يظهرون بالحق
فيها ، فكأنهم بقوا بمعزل عن الطبيعة وأفعالها ، بل واقفين في ساحلها بأمر ربها .
( وإن كان الكل لله وبالله بل هو الله ) . أي ، وإن كان الكل عبدا لله وقائما
لله ، سواء كان طبيعة أو أهلها . بل الكل ، من حيث هو كل ، مظهر للإسم
الجامع الذي هو الله ، لكن تتفاوت درجات المقامات ومراتب أهلها كما تتفاوت
درجات الأسماء الإلهية في الحيطة وغيرها . وإنما قلت : من حيث هو كل . لأن
الذات مع جميع الصفات إنما تظهر في الكل ، لا في كل واحد ، وإن كانت الذات
مع كل واحد من المظاهر . والقطب الحقيقي لكونه مظهرا للإسم الأعظم
الإلهي ، مظهر للذات مع جميع الصفات ، وغيره ليس كذلك .
واعلم ، أن الكمل بعد وصولهم إلى الحق بفناء ذواتهم ، يبقون ببقاء الحق
ويحصل لهم الوجود الحقاني ، ثم في رجوعهم من الله إلى الخلق يشاهدون الحق في
كل مرتبة بالحق ، لا بأنفسهم ، إلى أن يكمل سيرهم في أمهات المظاهر الإلهية
ويعلمون أسرار الوجود في كل مرتبة من مراتب عالم الغيب والشهادة بأسرها ،
فينزل الحق كلا منهم في مرتبة من مراتب الكمل : فمنهم من يجعله غوثا وقطبا ،
و
شرح فصوص الحكم — صفحة 531
مساهمون: محمد داوود قيصري رومي
ص٥٣١