لائقا بظهور الحق في ذلك الشئ ويعطى حق جهة حقيته وخلقيته ، لذلك
صارت الاستقامة أصعب الأشياء . وإليه إشارة النبي ، صلى الله عليه وسلم ،
بقوله : ( شيبتني سورة هود ) . إذ أمر فيها بالاستقامة . قال تعالى : ( فاستقم كما
أمرت ) . في السير من الخلق إلى الحق ، وإن كان يلزم ( من ) و ( إلى ) لكنه غير
مذموم ، لأن السالك يسلك في الحقيقة من نفسه إلى نفسه وعينه الثابتة التي هي
ربه ، ليعرفها فيعرف ربها . فحركته من جهة عبوديته إلى جهة ربوبيته ، فليس
كالمحجوب الطالب لربه خارجا عن نفسه وعن سلسلة الموجودات الممكنة
جميعا ، كالمتفلسف والمتكلم .
( فله الوجود الأتم وهو المؤتى جوامع الكلم والحكم ) . أي ، فلصاحب
الحركة الدورية ، الإدراك والوجدان التام . ف ( الوجود ) بمعنى ( الوجدان ) ،
كقوله تعالى : ( ومن يعمل سوءا ويظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا
رحيما ) . أو فله الوجود المحيط بكل شئ بتمامه ، لأنه يشاهد الحقيقة الوجودية في
جميع مظاهرها . وهو الذي أوتى جوامع أنوار الكلم الروحانية والحكم الربانية .
( ( ومما خطيئاتهم ) فهي التي خطت بهم ، فغرقوا في بحار العلم بالله
وهو الحيرة ) أي ، جاء في حقهم و ( مما خطيئاتهم أغرقوا ) . ( ( فأدخلوا نارا ) ) ( فلم
يجدوا لهم من دون الله أنصارا ) . و ( الخطيئة ) ، الذنب . وفي قوله : ( فهي التي
خطت بهم ) أي ، ساقهم وسلك بهم إشارة إلى أنها مأخوذة من ( الخطو ) ، لأنه
يخطو ويتعدى أوامر الله ، فيقع في الذنب . وواحده : ( خطوة ) ، وجمعه :
( خطوات ) . أي ، خطواتهم وقطع مقاماتهم بالسلوك هي التي خطت بهم إلى
بحار العلم بالله ، فغرقوا فيها وحاروا . أو ذنوبهم وخطاياهم هي التي أوجبت
عليهم أن يغرقوا . والتأويل الأول لا ينافي ظاهر المفهوم منها ، لأنه بالنسبة إلى
الكمل من أمته ، وما يفهم منه ظاهرا إنما هو بالنسبة إلى الكافرين به والمحجوبين
عن دينه .
والضمير في قوله : ( وهو الحيرة ) راجع إلى ( الغرق ) . أي ، ذلك الغرق
هو الحيرة . ويجوز أن يرجع إلى ( العلم بالله ) . وإنما قال كذلك لأنها يلزم العلم
شرح فصوص الحكم — صفحة 529
مساهمون: محمد داوود قيصري رومي
ص٥٢٩