ولما كانت هذه المحبة ظاهرة في رسول الله ، صلى الله عليه وسلم ، بواسطة
حب الله إياه ، قال : ( فإنه أحبها بحب الله إياه تخلقا إلهيا . ) ولكمال تخلقه
بالأخلاق الإلهية ، قال تعالى : ( إنك لعلى خلق عظيم ) .
( ولما أحب الرجل المرأة ، طلب الوصلة أي غاية الوصلة التي تكون في المحبة ،
فلم تكن في صورة النشأة العنصرية أعظم وصلة من النكاح . ) أي ، الجماع . (
ولهذا تعم الشهوة أجزاءه كلها ، ولذلك أمر بالاغتسال منه ، فعمت الطهارة ، كما
عم الفناء فيها عند حصول الشهوة . ) أي ، ولأجل أن الرجل أحب المرأة والمرأة
الرجل ، وطلب كل منهما الوصلة إلى الآخر غاية الوصلة ، عمت الشهوة جميع
أجزاء بدنهما . كما قال :
إذا ما تجلى لي فكلي نواظر * وإن هو ناداني فكلي مسامع
ولأجل عموم الشهوة إلى ما هو له وجه الغيرية والامتياز من الحق ، أمر كل
منهما باغتسال جميع أجزاء البدن ، فعمت الطهارة ، كما عمت الشهوة والمحبة
الموجبة لفناء المحب في المحبوب .
( فإن الحق غيور على عبده ) فيغار عليه ( أن يعتقد أنه يلتذ بغيره ) أي ، بما
وقع عليه اسم الغيرية والسوى واتصفت بالحدوث والإمكان ، وان كان
في الحقيقة عين الرحمن .
وإنما قال : ( أن يعتقد أنه يلتذ بغيره ) فإن العارف المعتقد حال التذاذه به أنه
يلتذ بالحق الظاهر في تلك الصورة ، هو مشغول بالحق ، لا بغيره ، فلا غيرية
حينئذ . لكن لما كان تلك الصورة متعينة ممتازة عن مقام الجمع الإلهي الكمالي
متسمة بسمة الحدوث ، محل النقائص والأنجاس ، أوجب عليه الغسل ليطهره مما
اكتسب بالتوجه إليها والاشتغال بها من النقائص . وإليه أشار بقوله : ( فطهره
بالغسل ليرجع ) العبد ( بالنظر إليه ) أي ، إلى الحق فيشاهد الحق . ( فيمن فنى
فيه ) وهو المرأة ( إذ لا يكون إلا ذلك . ) أي ، طهره ليرجع إلى الحق ، إذ لا بد من
شرح فصوص الحكم — صفحة 1168
مساهمون: محمد داوود قيصري رومي
ص١١٦٨