هذه الحال صفته .
ف ( من ) عبارة عن الحق سبحانه . أي ، لا بد من أن يكون الحق مشتاقا إلى
مالا يمكن أن يراه العبد إلا به وهو الموت .
وتحقيقه : أن الهوية الإلهية الظاهرة في صورة العبد هي التي تشتاق إلى الموت
لتصل إلى مقام جمعه وتخلص عن مضائق الإمكان وعوارض الحدثان ، وذلك لا
يحصل إلا بالموت ، لأن الملاقاة بين العبد وبين ربه موقوف على الموت ، والحق
سبحانه يريد هذا النوع من الملاقاة ، فيشتاق إليه .
ويجوز أن يكون الاشتياق من جهة العبد . أي ، لا بد لمن لا يرى ربه إلا
عند الموت أن تشتاق إليه . لكن قوله آخرا ( 8 ) : ( فهو يشتاق لهذه الصفة الخاصة التي
لا وجود لها إلا عند الموت ) يؤيد ما ذكرنا أولا ، لأن الضمير في قوله : ( فهو يشتاق )
للحق ، إذا العبد يكره الموت ، فلا يشتاق إليه ويكره تحققه ( 9 ) . والله أعلم .
واعلم أن هذا الخطاب ، أي قوله : ( أحدكم ) للمؤمنين الموحدين ، لا
للكافرين المحجوبين . لأن المراد بالموت إما الموت الإرادي ، أو الطبيعي . والأول
الحاصل للعارفين ، موجب للقاء الحق بحسب تجلياته الأسمائية أو الصفاتية أو
الذاتية ، على قدر قوة استعدادهم وسيرهم في السلوك . والعابدون والزاهدون
والصلحاء من عباد الله الذين لا قوة لاستعداداتهم على قطع المنازل والمقامات ،
فلا يحصل لهم اللقاء حتى يحصل لهم الموت الطبيعي وينكشف لهم النعيم ، كما
دل عليه حديث ( التحول ) . وأما المحجوبون الذين طبع الله على قلوبهم وران
هامش
( 8 ) - أي ، بعد أسطر يقرب صفحة .
( 9 ) - قوله ، فيكره العبد الموت ، لا يصدق على من تحقق بالعبودية ، وما فقده فيها ، وجده
في الربوبية ، كما قال سر الأنبياء ، وآدم الأولياء ، على ، عليه السلام : ( والله ابن أبي طالب
آنس بالموت من الطفل بثدي أمه ) . وقد قامت قيامته قبل طلوع الشمس من مغرب
الوجود ، وكان ، عليه السلام ، يترنم بقوله : ( لو كشف الغطاء ، ما ازددت يقينا ) . ( هر كه
امروز معاينه رخ دوست نديد طفل راهيست كه أو منتظر فردا شد ) ( ج )