بينه وبين موسى من الأسرار . ( و ( السين ) في السجن من حروف الزوائد . أي ، لأسترنك : فإنك أجبت بما
أيدتني به أن أقول لك مثل هذا القول . ) اعلم ، أن الحروف كلها دالة على المعاني
الغيبية في مفرداتها ومركباتها ، كما هو مقرر عند العلماء بالأسرار الإلهية . ومن
عرف أن الكلمات الموضوعة إنما وضعت بإزاء الحقائق الإلهية والكونية ، وعرف
أن الواضع الحقيقي في المظاهر الإنسانية هو الحق سبحانه وتعالى ، عرف ذلك .
وبعض علماء الظاهر أيضا وقفوا على ذلك ، وقالوا إن بين الأسماء ومسمياتها
مناسبات ووضعت الألفاظ بإزائها . ف ( السين ) التي في ( السجن ) من
حروف الزوائد ، وهي مع أنها من حروف الزوائد يدل على معنى الستر ، لأنه
حرف من حروفه . وكونه زائدا أيضا إشارة إلى تعينات الحاصلة على الذات التي
هي وجوه العبودية الزائدة على وجوه الربوبية من وجه . فبقى ( الجيم ) و ( النون )
وهو يدل على الستر ، كما قال تعالى : ( فلما جن عليه الليل رأى ) أي ، ستر . فصار
معنى قوله : ( لأجعلنك من المسجونين ) . لأسترنك . لأنك جعلت عين الحق
ظاهرا في صور العالم ، فيكون ظاهرا في صورتي . وهذا تأييد لي في دعواي ، ولى
عليك حكم وسلطنة في الظاهر ، لأني صاحب الحكم ، فقولي لك مثل هذا ،
وجعلي لك من المسجونين حق على قولك وعقيدتك .
( فإن قلت لي : قد جهلت يا فرعون بوعيدك إياك والعين واحدة ، فكيف فرقت ؟ فيقول فرعون : إنما
فرقت المراتب العين ، ما تفرقت العين ولا انقسمت في
ذاتها . ومرتبتي الآن التحكم فيك يا موسى بالفعل ، وأنا أنت بالعين وغيرك
بالرتبة . ) أي ، وإن قلت لي يا موسى : كيف فرقتني عنك وأوعدتني بالسجن ،
والعين في ذاتها واحدة لا كثرة فيها وتجعلني من الجاهلين ؟ أقول : إنما فرقت
المراتب بحسب ظهورات عين الحق فيها ، فالذات وإن كانت واحدة ، لكن
المراتب متفرقة ، ومرتبتي الان يقتضى أن أحكم فيك وفي مرتبتك ، وإن كنت
عيني من حيث العين ، لكنك غيري من حيث المرتبة .
شرح فصوص الحكم — صفحة 1138
مساهمون: محمد داوود قيصري رومي
ص١١٣٨