فإذا علمت هذا ، فلنرجع إلى المقصود فنقول : الحكمة في قتل الأبناء على يد
فرعون هي أن تعود أرواحهم مع الروح الموسوي ويمدونه في الغلبة على فرعون
وقومه ، وكل من قتل من الأبناء على أنه موسى رجع مع الروح الموسوي ، وأعانه في
هلاك فرعون ، لتحصل المجازاة والقصاص الذي لا بد منه الوجود .
وقوله : ( وما ثمة جهل ) معناه أن فرعون كان يقتلهم على أنهم موسى ، وما
كانوا عين موسى ، ولا يقتل الشخص لغيره ، كما قال : ( ولا تزر وازرة وزر
أخرى ) . والفاعل الحقيقي هو الحق ، وهو العليم الخبير ، لا يجهل على ما يجرى في
وجوده ، ولا يفعل إلا ما ينبغي أن يفعل ، فقتل الأبناء في المادة الفرعونية على أنها
موسى كان لعلمه في الأزل على أنهم يجتمعون مع الروح الموسوي في هلاك
فرعون ، فما كان الهلاك عن جهل ، بل عن علم متقن بما هو الأمر عليه ، وإن كان
لا يشعر فرعون بذلك تفصيلا ، ويشعر به إجمالا ، لذلك أمر بقتلهم . فاجتمعت
أرواحهم واتحدت ، فظهرت بالصورة الموسوية استيفاء لحقوقهم وإعانة لربهم
ومددا لنبيهم ، إذ كانوا على الفطرة الأصلية والطهارة الأزلية ، ما عملوا شيئا يجب
به قتلهم . فإذا اتحدت وظهرت في الصورة الموسوية ، ظهرت معها جميع ما كانت
مهيئا لهم من الاستعدادات والكمالات المترتبة عليها .
( وهذا اختصاص إلهي لموسى لم يكن لأحد من قبله ) أي ، هذا الاجتماع
للإمداد والاتحاد للأرواح اختصاص إلهي لأجل موسى ، عليه السلام ، ولم يكن
ذلك لأحد من الأنبياء ، عليهم السلام ، قبل موسى .
ولما كان هذا حكمة من جملة الحكم التي خصه الله بها ، قال : ( فإن حكم
موسى كثيرة . وأنا إن شاء الله تعالى أسرد منها في هذا الباب على قدر ما يقع به الأمر
الإلهي في خاطري . ) أي ، عينه في قلبي للإظهار .
( فكان هذا أول ما شوفهت به من هذا الباب . ) أي ، أول ما خوطبت به
في المكاشفة من الحضرة المحمدية في هذا الفص الموسوي كان هذا المعنى المذكور ،
وهو اتحاد أرواح الأبناء المقتولين وعودهم في المادة الموسوية . فالشيخ ، رضى الله
شرح فصوص الحكم — صفحة 1109
مساهمون: محمد داوود قيصري رومي
ص١١٠٩