( فما من عارف بالله من حيث التجلي الإلهي إلا وهو على النشأة الأخراوية : قد
حشر في دنياه ونشر من قبره ، فهو يرى ما لا يرون ، ويشهد ما لا يشهدون ، عناية
من الله ببعض عباده في ذلك . ) وإنما قال : ( من حيث التجلي الإلهي ) لأن العارفين
لهم مراتب بحسب سيرهم في الملكوت والجبروت والمثال المقيد والمطلق .
وأدناهم صاحب العرفان العلمي المجرد . والحشر والنشر يقع لكل منهم أبدا
بحسب مقامهم مع أهل ذلك الموطن الذي حصلوا فيه ، فيشاهدون أنهم حشروا
فيه ونشروا من قبور أبدانهم ورفع عنهم الحجب ووضع لهم الميزان والصراط ،
وحكم الحق العدل بالفصل والقضاء . كل ذلك على سبيل الشهود ، فيروا ما لا يراه
المحجوبون ويشهدوا ما لا يشهده المنغمسون في الهيئات الجسمانية والصفات
الظلمانية ، عناية من الله ببعض عباده حيث عجل له ما أجل لغيره ليتدارك باقي
عمره ويحصل ما به حصول الدرجات العالية ، فإن الدنيا مزرعة الآخرة .
( فمن أراد العثور على هذه الحكمة الإلياسية الإدريسية - الذي أنشأه الله تعالى
نشأتين ( 24 ) فكان نبيا قبل نوح ، عليه السلام ، ثم رفع فنزل رسولا بعد ذلك ، ( 25 )
فجمع الله له بين المنزلتين - فلينزل من حكم عقله إلى شهوته ، ويكون حيوانا مطلقا
حتى يكشف ما تكشفه كل دابة ما عدا الثقلين ، فحينئذ يعلم أنه قد تحقق بحيوانيته . )
أي ، فمن أراد أن يطلع على حكمة إلياس ، الذي كان إدريسا نبيا قبل نوح ، فرفع
إلى السماء ، ثم نزل رسولا ليجمع بين النبوة والرسالة - وهو المراد ب ( المنزلتين ) -
فلينزل عن حكم عقله الذي هو السماء ، إلى محل نفسه وشهوته الذي هو الأرض ،
بالنسبة إليها ليناسبه في التنزل . ( ويكون حيوانا مطلقا ) أي ، كالحيوان الذي لا
يزاحمه عقله بالتصرف في الأشياء ، بل منقادا للواردات الرحمانية من المقام
الحيوانية حتى يشاهد روحانية ( إلياس ) ومقامه المختص به ، فيطلع على الحكم
الخصيصة به ، وينكشف له ما تكشفه كل دابة سوى الثقلين من الاطلاع على
هامش
( 24 ) - أي ، نشأة النبوة ، ونشأة الرسالة . ( ج )
( 25 ) - قيل كان هاهنا إلى سنة . ( ج )