أحوال الموتى بالتنعيم والتعذيب وغيرهما ، وعند هذا الانكشاف يعلم أنه قد
تحقق بالمقام الحيوانية . وينبغي أن ينتقل مرة أخرى إلى المقام العقلي المجرد
بالانقطاع من الشهوات الجسمانية واللذات الطبيعية ، كما سقطت شهوة
إلياس ، عليه السلام ، ليصير ما أدركه عين اليقين ، ويكون متحققا وذائقا لما
عاينه وشاهده . كما أشار إليه من بعد بقوله : ( إذا تحقق بما ذكرناه ، انتقل إلى أن
يكون عقلا مجردا . )
( وعلامته ) أي ، وعلامة التحقق بهذا المقام على ما أعطانا ( علامتان :
الواحدة هذا الكشف ) المذكور ( فيرى من يعذب في قبره ومن ينعم ، ويرى الميت
حيا ) بالحياة البرزخية ( والصامت متكلما ) بالكلمات الروحانية الملكوتية ،
( والقاعد ماشيا ) بالحركات المعنوية والمثالية .
( والعلامة الثانية الخرس ) ( 26 ) أي ، البكم . ( بحيث إنه لو أراد أن ينطق بما
رآه ، لم يقدر ، فحينئذ يتحقق بحيوانيته . ) أي ، بمقام الحيوانية ، لأن الحيوان لم يقدر
أن يتكلم حسا بما يراه ، وإن كان متكلما في عالمه المثالي بروحه ومعناه .
( وكان لنا تلميذ قد حصل له هذا الكشف غير أنه لم يحفظ عليه الخرس ، فلم
يتحقق بحيوانيته . ولما أقامني الله في هذا المقام ، تحققت بحيوانيتي تحققا كليا ، فكنت
أرى وأريد أن أنطق بما أشاهده فلا أستطيع ، فكنت لا أفرق بيني وبين الخرس الذين
لا يتكلمون . )
( فإذا تحقق بما ذكرناه ) أي ، بالمقام الحيوانية وانكشف له أسرار عالم الطبيعة
وشاهد الأحوال البرزخية وعلم حقيقة ما جاء به الشريعة ( انتقل إلى أن يكون
عقلا مجردا في غير مادة طبيعية ، فيشهد أمورا هي أصول لما يظهر في الصورة الطبيعية
فيعلم من أين يظهر هذا الحكم في صورة الطبيعة ، علما ذوقيا . ) وإنما ينتقل إلى
مقام العقل المجرد مرة أخرى بعد شهود الأمر على ما هو عليه في البرزخ ، لأنه إذا
صار عقلا مجردا ، شارك العقول المجردة والأرواح المطهرة ، واطلع على عالم
هامش
( 26 ) - جمع : أخراس ، خرسان ، أخارس .