مرحوما بالرحمة الرحيمية . فإيجاد الرحمة فيه وإعطاء هذه الصفة له بعد الوجود
والوصول إلى الكمال ، إنما هو ليكون العبد موصوفا بصفة ربه ، فيكون راحما بعد
أن كان مرحوما . وإنما كان كذلك ، لأن الصفات الفعلية إذا ظهرت فيمن ظهرت
تقتضي ظهور الفعل منه . ألا ترى أن الحق إذا أعطى لعبده صفة القدرة وتجلى بها
له ، كيف تصدر منه خوارق العادات وأنواع المعجزات والكرامات . والرحمة
مبدأ جملة الصفات الفعلية ، إذ بها توجد أعيانها . فنسأل الله تعالى أن يرحمنا
بالرحمة التامة الخاصة والعامة .
( وهو سبحانه ليس بمحل للحوادث ، فليس بمحل لإيجاد الرحمة فيه . وهو
الراحم ، ولا يكون الراحم راحما إلا بقيام الرحمة به . فثبت أنه عين الرحمة . ) أي ،
الحق سبحانه هو الذي يرحم جميع الأسماء والصفات والأعيان والأكوان ،
فهو الراحم ، وليس محلا للحوادث ، ليكون له صفة زائدة عليه حادثة بالذات ،
فرحمته عين ذاته غير زائدة عليها ( 11 ) وبها رحم الرحمة الصفاتية فأوجدها والعين
هامش
( 11 ) - لأن الأسماء بلسان المناسب لاستجنانها العلمي في التعين الأول التمست من الحق الظهور
الأسمائي ، فأجاب الحق بإظهارها من مكمن الغيب إلى مقام الظهور ، وتجلى الحق
بهذه الأسماء في المرتبة ( الواحدية ) والحضرة العلمية والإمكان ، لأنه يشم من
مظاهر الأسماء ، أي الأعيان ، رائحة الإمكان - لأنها صور قدرية التي نسميها ( القدر
الأول ) ، فطهرت الأسماء بالرحمة الذاتية المستجنة في القضاء الأول . وأما في المرتبة الغيبية
المسماة ب ( الغيب المغيب ) و ( الأحدية الذاتية ) والحقيقة المطلقة المعراة عن كل القيود ،
حتى القيد الإطلاق ، أن جميع الأسماء ، ومنها ( الرحمة ) ، من جهة اعتبارها ، أو تحققها
وكونها ، غير متعينة ، كأصل الوجود الإطلاقي الغير المتعين الذي لا اسم له ولا رسم له ولا
عنوان له ، وكل اسم يطلق عليه وكل صفة ينسب إليه نوع تعبير ، وفائدتها التفهيم لا
التعريف . في سورة ( التوحيد ) أشار إليه ب ( هو ) . ولذا قالوا إن الرحمة والحمد وغيرهما لا
لسان لها في الذات ، وكل عين ووجود مضاف ، وكل اسم وصفة ونعت متحقق في
غيب الذات بالاستجنان الذاتي . وما أنشده الشاعر العارف بقوله : در آن خلوت كه
هستى بي نشان بود به كنج نيستى عالم نهان بود . وجودي عارى از قيد مظاهر به نور
خويشتن در خويش ظاهر . نواى دلبرى با خويش مى ساخت قمار عاشقى با خويش
مى بأخت . ولى زانجا كه حكم خوب روى است ز پرده خوبرو در تنگ خوى است .
نكو رو تاب مستورى ندارد چو در بندى سر از روزن بر آرد . نظر كن لاله را در
كوهساران كه چون خرم شود فصل بهاران . كند شق شقه گلريز خارا جمال خود كند
زان آشكارا . ( ( اورنگ ) پنجم يوسف وزليخا ، جامى ، رضوان الله عليه ) إشارة إلى المرتبة ( الأحدية )
و ( الغيب الثاني ) لا الغيب المطلق . ( ج )