لما فرغ من الكلام على المبتدأ والخبر شرع في ذكر نواسخ الابتداء ، وهي
قسمان : أفعال ، وحروف ، فالأفعال : كان وأخواتها ، وأفعال المقاربة ، وظن
وأخواتها ، والحروف : ما وأخواتها ، ولا التي لنفي الجنس ، وإن وأخواتها .
فبدأ المصنف بذكر كان وأخواتها ، وكلها أفعال اتفاقا ، إلا " ليس " ، فذهب
الجمهور إلى أنها فعل ، وذهب الفارسي - في أحد قوليه - وأبو بكر بن شقير
- في أحد قوليه - إلى أنها حرف ( 1 ) .
.
هامش
( 1 ) أول من ذهب من النحاة إلى أن ليس حرف ، هو ابن السراج وتابعه على
ذلك أبو علي الفارسي في " الحلبيات " وأبو بكر بن شقير ، وجماعة .
واستدلوا على ذلك بدليلين :
الدليل الأول ، أن " ليس " أشبه الحرف من وجهين :
الوجه الأول : أنه يدل على معنى يدل عليه الحرف ، وذلك لأنه يدل على النفي
الذي يدل عليه " ما " وغيرها من حروف النفي .
الوجه الثاني : أنه جامد لا يتصرف ، كما أن الحرف جامد لا يتصرف .
والدليل الثاني : أنه خالف سنن الأفعال عامة ، وبيان ذلك أن الأفعال بوجه عام
مشتقة من المصدر للدلالة على الحدث دائما والزمان بحسب الصيغ المختلفة ، وهذه الكلمة
لا تدل على الحدث أصلا ، وما فيها من الدلالة على الزمان مخالف لما في عامة الأفعال ،
فإن عامة الأفعال الماضية تدل على الزمان الذي انقضى ، وهذه الكلمة تدل على نفي
الحدث الذي دل عليه خبرها في الزمان الحاضر ، إلى أن تقوم قرينة تصرفه إلى الماضي
أو المستقبل ، فإذا قلت : " ليس خلق الله مثله " فليس أداة نفي ، واسمها ضمير شأن
محذوف ، وجملة الفعل الماضي - وهو خلق - وفاعله في محل نصب خبرها . وفي هذا
المثال قرينة - وهي كون الخبر ماضيا - على أن المراد نفي الخلق في الماضي ،
وقوله تعالى : ( ألا يوم يأتيهم ليس مصروفا عنهم ) يشتمل على قرينة تدل على أن المراد
نفي صرفه عنهم فيما يستقبل من الزمان ، ومن أجل ذلك كله قالوا : هي حرف .
ويرد ذلك عليهم قبولها علامات الفعل ، ألا ترى أن تاء التأنيث الساكنة تدخل
عليها ، فتقول : ليست هند مفلحة ، وأن تاء الفاعل تدخل عليها ، فتقول : لست ،
ولست ، ولستما ، ولستم ، ولستن .
وأما عدم دلالتها على الحدث كسائر الأفعال فإنه منازع فيه ، لان المحقق الرضي ذهب
إلى أن " ليس " دالة على حدث - وهو الانتفاء - ولئن سلمنا أنها لا تدل على حدث -
كما هو الراجح ، بل الصحيح عند الجمهور - فإنا نقول : إن عدم دلالتها على حدث -
ليس هو بأصل الوضع ، ولكنه طارئ عليها وعارض لها بسبب دلالتها على النفي ، والمعتبر
إنما هو الدلالة بحسب الوضع وأصل اللغة ، وهي من هذه الجهة دالة عليه ، فلا يضرها
أن يطرأ عليها ذلك الطارئ فيمنعها .