57 - يذيب الرعب منه كل عضب
فلولا الغمد يمسكه لسالا
هامش
57 - البيت لأبي العلاء المعري أحمد بن عبد الله بن سليمان ، نادرة الزمان ،
وأوحد الدهر حفظا وذكاء وصفاء نفس ، وهو من شعراء العصر الثاني من الدولة
العباسية ، فلا يحتج بشعره على قواعد النحو والتصريف ، والشارح إنما جاء به
للتمثيل ، لا للاحتجاج والاستشهاد به .
اللغة : " يذيب " من الإذابة ، وهي إسالة الحديد ونحوه من الجامدات
" الرعب " الفزع والخوف " عضب " هو السيف القاطع " الغمد " قراب
السيف ( وجفنه ) ؟ .
الاعراب : " يذيب " فعل مضارع مرفوع بالضمة الظاهرة " الرعب " فاعل يذيب
" منه " جار ومجرور متعلق بقوله يذيب " كل " مفعول به ليذيب ، وكل مضاف
و " عضب " مضاف إليه " فلولا " حرف امتناع لوجود " الغمد " مبتدأ " يمسكه "
يمسك : فعل مضارع ، وفاعله ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى الغمد ،
والهاء - التي هي ضمير الغائب العائد إلى السيف - مفعول به ، والجملة في محل رفع
خبر المبتدأ ، وستعرف ما في هذا الاعراب من المقال وتوجيهه في بيان الاستشهاد
" لسالا " اللام واقعة في جواب " لولا " وسال : فعل ماض ، والألف للاطلاق ،
والفاعل ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى السيف ، وجملة سال وفاعله لا محل
لها من الاعراب جواب لولا .
التمثيل به : في قوله " فلولا الغمد يمسكه " حيث ذكر خبر المبتدأ الواقع بعد لولا -
وهو جملة " يمسك " وفاعله ومفعوله - لان ذلك الخبر كون خاص قد دل عليه الدليل
وخبر المبتدأ الواقع بعد لولا يجوز ذكره كما يجوز حذفه إذا كان كونا خاصا وقد دل
عليه الدليل عند قوم ، كما ذكره الشارح العلامة ، والجمهور على أن الحذف واجب ،
وذلك بناء منهم على ما اختاروه من أن خبر المبتدأ الواقع بعد " لولا " لا يكون إلا
كونا عاما ، وحينئذ لا يقال إما أن يدل عليه دليل أو لا ، وعندهم أن بيت المعري هذا
لحن لذكر الخبر بعد لولا .
وفي البيت توجيه آخر يصح به على مذهب الجمهور ، وهو أن " يمسك " في تأويل مصدر بدل اشتمال من الغمد ، وأصله " أن يمسكه " فلما حذف " أن " ارتفع الفعل ،
كقولهم " تسمع بالمعيدي خير من أن تراه " فيمن رواه برفع " تسمع " من
غير " أن " .
وحاصل القول في هذه المسألة أن النحاة اختلفوا ، هل يكون خبر المبتدأ الواقع
بعد لولا كونا خاصا أو لا ؟ فقال الجمهور : لا يكون كونا خاصا البتة ، بل يجب كونه كونا
عاما ويجب مع ذلك حذفه ، فإن جاء الخبر كونا خاصا في كلام ما فهو لحن أو مؤول ،
وقال غيرهم ، يجوز أن يكون الخبر بعد لولا كونا خاصا ، لكن الأكثر أن يكون
كونا عاما ، فإن كان الخبر كونا عاما وجب حذفه كما يقول الجمهور ، وإن كان الخبر
كونا خاصا ، فإن لم يدل عليه دليل وجب ذكره ، وإن دل عليه دليل جاز ذكره وجاز
حذفه ، فلخبر المبتدأ الواقع بعد لولا حالة واحدة عند الجمهور ، وهي وجوب الحذف ،
وثلاثة أحوال عند غيرهم ، وهي : وجوب الحذف ، ووجوب الذكر ، وجواز الامرين ،
وقد قدمنا لك أن الواجب حمل كلام الناظم على هذا ، لأنه صرح باختياره في غير هذا
الكتاب ، وقد ذكر الشارح نفسه أن هذا هو اختيار المصنف .