" قام أبوه زيد " ، وقد تقدم ذكر الخلاف في ذلك ( 1 ) ، وكذلك يجوز التقديم
إذا رفع الفعل ضميرا بارزا ، نحو " الزيدان قاما " فيجوز أن تقدم الخبر فتقول
" قاما الزيدان " ويكون " الزيدان " مبتدأ مؤخرا ، و " قاما " خبرا مقدما ،
ومنع ذلك قوم .
وإذا عرفت هذا فقول المصنف : " كذا إذا ما الفعل كان الخبر " يقتضي
[ وجوب ] تأخير الخبر الفعلي مطلقا ، وليس كذلك ، بل إنما يجب تأخيره إذا
رفع ضميرا للمبتدأ مستترا ، كما تقدم .
الثالث : أن يكون الخبر محصورا بإنما ، نحو " إنما زيد قائم " أو بإلا ، نحو
" ما زيد إلا قائم " وهو المراد بقوله " أو قصد استعماله منحصرا " ، فلا يجوز
تقديم " قائم " على " زيد " في المثالين ، وقد جاء التقديم مع " إلا " شذوذا ،
كقول الشاعر :
52 - فيا رب هل إلا بك النصر يرتجى
عليهم ؟ وهل إلا عليك المعول ؟
.
هامش
( 1 ) يريد خلاف البصريين والكوفيين ، حيث جوز البصريون التقديم ، ومنعه
الكوفيون ( واقرأ الهامشة رقم 1 في ص 228 ) .
52 - البيت للكميت بن زيد الأسدي ، وهو الشاعر المقدم ، العالم بلغات
العرب ، الخبير بأيامها ، وأحد شعراء مضر المتعصبين على القحطانية ، والبيت من
قصيدة له من قصائد تسمى الهاشميات قالها في مدح بني هاشم ، وأولها قوله :
ألا هل عم في رأيه متأمل ؟ وهل مدبر بعد الإساءة مقبل ؟
اللغة : " عم " العمى ذهاب البصر من العينين جميعا ، ولا يقال عمى إلا على
ذلك ، ويقال لمن ضل عنه وجه الصواب : هو أعمى ، وعم ، والمرأة عمياء وعمية
" مدبر " هو في الأصل من ولاك قفاه ، ويراد منه الذي يعرض عنك ولا يباليك
" المعول " تقول : عولت على فلان ، إذا جعلته سندك الذي تلجأ إليه ، وجعلت أمورك
كلها بين يديه ، والمعول ههنا مصدر ميمي بمعنى التعويل . الاعراب : " يا رب " يا : حرف نداء ، رب : منادى منصوب بفتحة مقدرة على
ما قبل ياء المتكلم المحذوفة اكتفاء بكسر ما قبلها " هل " حرف استفهام إنكاري
دال على النفي " إلا " أداة استثناء ملغاة " بك " جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر
مقدم " النصر " مبتدأ مؤخر " يرتجى " فعل مضارع مبني للمجهول ، ونائب الفاعل
ضمير مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود على " النصر " ويجوز أن يكون " بك "
متعلقا بقوله يرتجى ، وجملة يرتجى مع نائب فاعله المستتر فيه في محل رفع خبر " عليهم "
جار ومجرور متعلق في المعنى بالنصر ولكن الصناعة تأباه ، لما يلزم عليه من الفصل بين
العامل ومعموله بأجنبي ، لهذا يجعل متعلقا بيرتجى " وهل " حرف استفهام تضمن معنى
النفي " إلا " أداة استثناء ملغاة " عليك " جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم
" المعول " مبتدأ مؤخر .
الشاهد فيه : قوله " بك النصر " و " عليك المعول " حيث قدم الخبر المحصور
بإلا في الموضعين شذوذا ، وقد كان من حقه أن يقول : هل يرتجى النصر إلا بك ،
وهل المعول إلا عليك ، وأنت خبير بأن الاستشهاد بقوله : " بك النصر " لا يتم إلا
على اعتبار أن الجار والمجرور خبر مقدم ، والنصر مبتدأ مؤخر ، فأما على اعتبار أن
الخبر هو جملة " يرتجى " فلا شاهد في الجملة الأولى من البيت لما نحن فيه ، ويكون
الشاهد في الجملة الثانية وحدها . وعبارة الشارح تفيد ذلك ، فإنه ترك ذكر الاستشهاد
بالجملة الأولى لاحتمالها وجها آخر ، وقد علمت أن الدليل إذا احتمل وجها آخر سقط
الاستدلال به ، والحكم بشذوذ هذا التقديم إطلاقا - كما ذكره الشارح - هو رأي
جماعة النحاة ، فأما علماء البلاغة فيقولون : إن كانت أداة القصر هي " إنما " لم يسغ
تقديم الخبر إذا كان مقصورا عليه ، وإن كانت أداة القصر " إلا " فإن قدمت الخبر وقدمت معه إلا كما في هذه العبارة صح التقديم ، لان المعنى المقصود لا يضيع ، إذ
تقديم " إلا " معه يبين المراد .