وهذا عند جمهور البصريين مخصوص بالشعر ، وزعم المصنف - في غير هذا
الكتاب - أنه لا يختص به ، بل يجوز في الاختيار ، وقد جاء وصلها بالجملة الاسمية ،
وبالظرف شذوذا ، فمن الأول قوله :
31 - من القوم الرسول الله منهم * لهم دانت رقاب بني معد
.
هامش
31 - هذا البيت من الشواهد التي لا يعرف قائلها ، قال العيني : " أنشده ابن
مالك للاحتجاج به ، ولم يعزه إلى قائله " اه ، وروى البغدادي بيتا يشبه أن يكون هذا
البيت ، ولم يعزه أيضا إلى قائل ، وهو :
بل القوم الرسول الله فيهم * هم أهل الحكومة من قصي
اللغة : " دانت " ذلت ، وخضعت ، وانقادت " معد " هو ابن عدنان ، وبنو
قصي هم قريش ، وبنو هاشم قوم النبي صلى الله عليه وسلم منهم .
الاعراب : " من القوم الرسول الله " : الجار والمجرور متعلق بمحذوف يجوز أن
يكون خبرا لمبتدأ محذوف ، ويكون تقدير الكلام : هو من القوم إلخ ، والألف واللام
في كلمة " الرسول " موصول بمعنى الذين صفة للقوم مبني على السكون في محل جر ،
ورسول مبتدأ ، ورسول مضاف ولفظ الجلالة مضاف إليه " منهم " جار ومجرور متعلق
بمحذوف خبر المبتدأ ، وجملة المبتدأ وخبره لا محل لها صلة أل الموصولة " لهم " جار
ومجرور متعلق بقوله دانت الآتي " دانت " دان : فعل ماض ، والتاء تاء التأنيث
" رقاب " فاعل دان ، ورقاب مضاف و " بني " مضاف إليه ، وبني مضاف و " معد "
مضاف إليه .
الشاهد فيه : قوله " الرسول الله منهم " حيث وصل أل بالجملة الاسمية ، وهي جملة
المبتدأ والخبر ، وذلك شاذ .
ومن العلماء من يجيب عن هذا الشاهد ونحوه بأن " أل " إنما هي هنا بعض كلمة ،
وأصلها " الذين " فحذف ما عدا الألف واللام ، قال هؤلاء : ليس حذف بعض الكلمة
وإبقاء بعضها بعجب في العربية ، وهذا لبيد بن ربيعة العامري يقول :
* درس المنا بمتالع فأبان *
أراد " المنازل " فحذف حرفين لغير ترخيم . وهذا رؤبة يقول :
* أو ألفا مكة من ورق الحمى *
أراد " الحمام " فحذف الميم ثم قلب فتحة الميم كسرة والألف ياء ، وقد قال الشاعر ،
وهو أقرب شئ إلى ما نحن بصدده :
وإن الذي حانت بفلج دماؤهم * هم القوم كل القوم يا أم خالد
أراد " وإن الذين " بدليل ضمير جماعة الذكور في قوله " دماؤهم " وقوله فيما بعد
" هم القوم " وعليه خرجوا قول الله تعالى : ( وخضتم كالذي خاضوا ) أي كالذين خاضوا -
وفي الآية تخريجان آخران ، أحدهما : أن الذي موصول حرفي كما ، أي وخضتم كخوضهم ،
وثانيهما : أن الذي موصول اسمي صفة لموصوف محذوف ، والعائد إليه من الصلة محذوف
أي : وخضتم كالخوض الذي خاضوه قالوا : وربما حذف الشاعر الكلمة كلها ، فلم
يبق منها إلا حرفا واحدا ، ومن ذلك قول الشاعر :
نادوهم : أن ألجموا ، ألاتا * ، قالوا جميعا كلهم : ألافا
فإن هذا الراجز أراد في الشطر الأول " ألا تركبون " فحذف ولم يبق إلا التاء ، وحذف
من الثاني الذي هو الجواب فلم يبق إلا حرف العطف ، وأصله " ألا فاركبوا " .
وبعض العلماء يجعل الحروف التي تفتتح بها بعض سور القرآن - نحو ألم ، حم ، ص -
من هذا القبيل ، فيقولون : ألم أصله : أنا الله أعلم ، أو ما أشبه ذلك ، وانظر مع هذا
ما ذكرناه في شرح الشاهد رقم 6 31 الآتي في باب الترخيم .
قلت : وهذا الذي ذهبوا إليه ليس إلا قياما من ورطة للوقوع في ورطة أخرى أشد
منها وأنكى ، فهو تخلص من ضرورة إلى ضرورة أصعب منها مخلصا وأعسر نجاء ،
ولا يشك أحد أن هذا الحذف بجميع أنواعه التي ذكروها من الضرورات التي لا يسوغ
القياس عليها ، ولذلك استبعد كثير تخريج الآية الكريمة التي تلوناها أولا على هذا الوجه
كما ( استبعد ) ؟ كثيرون تخريجها على أن " الذي " موصول حرفي .