كقوله تعالى : ( ومنهم من يمشي على أربع ، يخلق الله ما يشاء ) ومنه
قول الشاعر :
29 - بكيت على سرب القطا إذ مررن بي * فقلت ومثلي بالبكاء جدير :
أسرب القطا ، هل من يعير جناحه * لعلي إلى من قد هويت أطير ؟
.
هامش
29 - هذان البيتان للعباس بن الأحنف ، أحد الشعراء المولدين ، وقد جاء بهما
الشارح تمثيلا لا استشهادا ، كما يفعل المحقق الرضي ذلك كثيرا ، يمثل بشعر المتنبي
والبحتري وأبي تمام ، وقيل : قائلهما مجنون ليلى ، وهو ممن يستشهد بشعره ، وقد
وجدت بيت الشاهد ثابتا في كل ديوان من الديوانين : ديوان المجنون ، وديوان
العباس ، وذلك من خلط الرواة .
اللغة : " السرب " جماعة الظباء والقطا ونحوهما ، و " القطا " ضرب من الطير
قريب الشبه من الحمام " جدير " لائق وحقيق " هويت " بكسر الواو - أي أحببت .
الاعراب : " بكيت " فعل وفاعل " على سرب " جار ومجرور متعلق ببكيت ،
وسرب مضاف و " القطا " مضاف إليه " إذ " ظرف زمان متعلق ببكيت مبني على
السكون في محل نصب " مررن " فعل وفاعل ، والجملة في محل جر بإضافة إذ إليها ،
أي بكيت وقت مرورهن بي " بي " جار ومجرور متعلق بمر " فقلت " فعل وفاعل
" ومثلي " الواو للحال ، مثل : مبتدأ ، ومثل مضاف وياء المتكلم مضاف إليه " بالبكاء "
جار ومجرور متعلق بقوله جدير الآتي " جدير " خبر المبتدأ " أسرب " الهمزة حرف
نداء ، وسرب : منادى منصوب بالفتحة الظاهرة ، وسرب مضاف ، و " القطا " مضاف
إليه " هل " استفهامية " من " اسم موصول مبتدأ " يعير " فعل مضارع ، وفاعله ضمير
مستتر فيه جوازا تقديره هو يعود إلى من ، والجملة من يعير وفاعله في محل رفع خبر
المبتدأ ، هكذا قالوا ، وعندي أن جملة " يعير جناحه " لا محل لها من الاعراب صلة
الموصول الذي هو من ، وأما خبر المبتدأ فمحذوف ، وتقدير الكلام : هل الذي يعير جناحه موجود " جناحه " جناح : مفعول به ليعير ، وجناح مضاف والضمير مضاف إليه " لعلي "
لعل : حرف ترج ونصب ، والياء ضمير المتكلم اسمها " إلى " حرف جر " من " اسم موصول
مبني على السكون في محل جر بإلى ، والجار والمجرور متعلق بقوله أطير الآتي " قد " حرف
تحقيق " هويت " فعل ماض وفاعله ، والجملة لا محل لها صلة الموصول ، والعائد محذوف ،
والتقدير : إلى الذي قد هويته " أطير " فعل مضارع ، وفاعله ضمير مستتر فيه وجوبا
تقديره أنا ، والجملة في محل رفع خبر " لعل " .
الشاهد فيه : قوله " أسرب القطا " وقوله " من يعير جناحه " والنداء معناه طلب إقبال
من تناديه عليك ، ولا يتصور أن تطلب الاقبال إلا من العاقل الذي يفهم الطلب ويفهم
الاقبال ، أو الذي تجعله بمنزلة من يفهم الطلب ويفهم الاقبال ، فلما تقدم بندائه استساغ أن
يطلق عليه اللفظ الذي لا يستعمل إلا في العقلاء بحسب وضعه ، وقد تمادى في معاملته
معاملة ذوي العقل ، فاستفهم منه طالبا أن يعيره جناحه ، والاستفهام وطلب الإعارة إنما
يتصور توجيههما إلى العقلاء .
ومثل ذلك قول امرئ القيس بن حجر الكندي :
ألا عم صباحا أيها الطلل البالي * وهل يعمن من كان في العصر الخالي