جاء الضمير في الشعر منفصلا مع إمكان الاتيان به متصلا ، كقوله :
15 - بالباعث الوارث الأموات قد ضمنت
إياهم الأرض في دهر الدهارير
* * *
.
هامش
15 - البيت من قصيدة للفرزدق ، يفتخر فيها ، ويمدح يزيد بن عبد الملك بن
مروان ، وقبله :
يا خير حي وقت نعل له قدما * وميت بعد رسل الله مقبور
إني حلفت ، ولم أحلف على فند * ، فناء بيت من الساعين معمور
اللغة : " الباعث " الذي يبعث الأموات ويحييهم بعد موتهم " الوارث " هو الذي
ترجع إليه الأملاك بعد فناء الملاك " ضمنت " - بكسر الميم مخففة - بمعنى تضمنت ،
أي اشتملت أو بمعنى تكفلت يهم " الدهارير " الزمن الماضي ، أو الشدائد ، وهو جمع
لا واحد له من لفظه .
الاعراب : " يا لباعث " جار ومجرور متعلق بقوله " حلفت " في البيت الذي أنشدناه
قبل هذا البيت ، والأموات : يجوز فيه وجهان ، أحدهما : جره بالكسرة الظاهرة على
أنه مضاف إليه ، والمضاف هو الباعث والوارث على مثال قوله :
يا من رأى عارضا أسر له * بين ذراعي وجبهة الأسد
وقولهم " قطع الله يد ورجل من قالها " والوجه الثاني : نصب الأموات بالفتحة الظاهرة
على أنه مفعول به ( تنازعه ) ؟ الوصفان فأعمل فيه الثاني وحذف ضميره من الأول لكونه
فضلة " ضمنت " فعل ماض ، والتاء للتأنيث " إياهم " مفعول به تقدم على الفاعل
" الأرض " فاعل ضمن " في دهر " جار ومجرور متعلق بضمنت ، ودهر مضاف
و " الدهارير " مضاف إليه ، مجرور بالكسرة الظاهرة .
الشاهد فيه : قوله " ضمنت إياهم " حيث عدل عن وصل الضمير إلى فصله ، وذلك
خاص بالشعر ، ولا يجوز في سعة الكلام ، ولو جاء به على ما يستحقه الكلام لقال
" قد ضمنتهم الأرض " .
ومثل هذا البيت قول زياد بن منقذ العدوي التميمي من قصيدة له يقولها في تذكر
أهله والحنين إلى وطنه ، وكان قد نزل صنعاء فاستوبأها ، وكان أهله بنجد في وادي
أشى - بزنة المصغر ( وانظر 1 / 65 من كتابنا هداية السالك إلى أوضح المسالك ) :
وما أصاحب من قوم فأذكرهم * إلا يزيدهم حبا إلي هم
فقد جاء بالضمير منفصلا - وهو قوله " هم " في آخر البيت - وكان من حقه أن
يجئ به متصلا بالعامل - وهو قوله " يزيد " - ولو جاء به على ما يقتضيه الاستعمال
لقال " إلا يزيدونهم حبا إلى " .
ومثل ذلك قول طرفة بن العبد البكري :
أصرمت حبل الوصل ، بل صرموا
يا صاح ، بل قطع الوصال هم
وكان من حقه أن يقول : " بل قطعوا الوصال " لكنه اضطر ففصل .