حديث رمضان
*
لقد غير العلم فهم الإنسان لحقيقة الحياة ، وقضى على كثير من التقاليد
والمعتقدات ، قضى على المعتقد الذي أقام الخرافة مقام العلم ، والأحلام مقام
الملموس والمنظور ، وفسر الطبيعة وحوادثها بأشياء لا تمت إليها بسبب . فسر
المرض بلمس الجن ، فعالجه بالرقى والتعاويذ ، ونسب الفقر إلى القدر ، فأوجب
الاستسلام له والانقياد ، وأسند سلطة الحاكم إلى الله ، فأمر الناس بالسمع له
والطاعة . هذه هي العقيدة التي ناصرها الظلم ، وقاومها العلم ، ودعمها الاقطاع ،
وكذبها الوعي ، ودللها الاستعمار وخنقها التطور .
أما الدين الذي يحارب الخرافات والأوهام ، ويدعو إلى تفسير الطبيعة
بأسبابها ، ويتصل بحياة الإنسان مباشرة ، ويهدف إلى أن تكون الفضيلة عملا
مجسما يحسه ويشعر به كل فرد فإنه يسير مع العلم جنبا لجنب حليفين متناصرين ،
وهل يحارب العلم دينا أساسه الدعوة إلى العلم ، وحده العدالة والمساواة ،
وهدفه سعادة الإنسانية ورفاهيتها ؟ إن مثل هذا الدين يرفع الإنسان إلى مستوى
أعلى ، فقد رفع الإسلام قبائل العرب المتوحشة إلى أقصى ما يمكن أن يصلوا إليه
من التقدم والحضارة في ذلك العهد ، وهذا التاريخ طبع كثيرا من الحضارات
بطابع الدين وسماته ، فوصف هذه بالحضارة الإسلامية ، وتلك بالحضارة
المسيحية ، وثالثة بالحضارة البوذية ، ولو كان العلم يعاند الدين لما كان للحضارة
الدينية في التاريخ ذكر ، وللكنائس ورجالها في أميركا وأوروبا عين ولا أثر
أثر في هذا العصر الذي يجري فيه تيار العلم بأقصى ما يجري تيار في جميع العصور .
يتبين من هذا أن العلم لا يعاند اللهوت ، وأن عدو اللاهوت هو اللاهوتي
هامش
* أذيعت من محطة الإذاعة اللبنانية ونشرت في جريدة التلغراف في شهر رمضان المبارك 1952 .