العقود والأنكحة لشيخ الشيعة أبي المكارم حمزة بن زهرة ، فقبل الوالي ذلك
كله .
إن الحمدانيين لم يكرهوا أحدا على التشيع ، ولم يغروه بالمال والمناصب ،
ولم يؤلفوا الهيئات والمنظمات للدعاية ، بل تركوا الناس يختارون لأنفسهم ما
يشاؤون ، ويعتقدون ما يريدون ، فانبرى الدعاة المخلصين ، وأعلنوا الحق ،
فآمن به من آمن ، حيث لا ضغط ولا إكراه ، على عكس العباسيين والأمويين ،
وصلاح الدين .
لقد حمل الأيوبي معه إلى مصر وسورية تيارا هائلا من التعصب الأعمى - وكل
تعصب هو أعمى - كان له أسوأ الأثر في حياة المسلمين ، وما زالوا يعانون منه ،
حتى اليوم . أما الحمدانيون فقد كانوا أصحاء في عقولهم ، كما كانوا على حق
في دينهم ، لذا تسامحوا ، وتركوا للناس حرية القول والتفكير مما جعلهم ملجأ
وملاذا للعلماء والفلاسفة والأدباء ورجال الفكر من جميع الأديان والمذاهب ،
حتى أن رجال الفن من الروم كانوا يهربون من مليكهم قيصر إلى سيف الدولة ،
حيث يجدون عنده ما لم يجدوه في بلادهم وعند أبناء دينهم ولغتهم . من هنا
ترك لنا عصر الحمدانيين هذه الآثار والكنوز .
ولو افترض أن صلاح الدين الأيوبي كان على حق في تسننه ، وأن الشيعة
كانوا على ضلال في تشيعهم أي مبرر له في قتلهم واستئصالهم ؟ إن قوانين الدول
المتحضرة تنص على أن لكل إنسان الحق في إعلان آرائه ومعتقداته ، بل والترويج
لها ما دام لا يتعدى على حق غيره . وهؤلاء المسلمون في كل مكان يعتقدون
أن العين بالعين والسن بالسن ، وقوانين دولهم تنص على خلاف ذلك ، ولكنها
لا تعاقب أحدا منهم ، ما دام لم يسمل عين أحد ، أو يكسر سن أحد .
لقد أراد صلاح الدين الأيوبي ، ومن على شاكلته أن يقضي على الشيعة والتشيع ،
ويأبى الله إلا أن يتم نور آل الرسول المنبثق عن نور الله بالذات .
الشيعة في الميزان — صفحة 173
مساهمون: محمد جواد مغنية
ص١٧٣