بمثل ذلك ، ولو لم يكن في هذا إلا ما يعلم ضرورة من دين النبي صلى الله
عليه وآله من أن تكليف معرفة الله تعالى ، ومعرفة رسله عليهم السلام
عامة للعقلاء ، وأنه لا تخصيص فيها ولا تمييز إلا لمن لم تتكامل شروطه ( 1 )
لكان مقنعا ،
وبعد فقد علم أيضا من دين محمد صلى الله عليه وآله عموم وجوب
الصلوات ، وما أشبهها من العبادات الشرعية ، لكل من تكاملت شروطه
من المكلفين على وجه لا إشكال فيه ، ونحن نعلم أن هذه العبادات لا
يصح وقوعها قربة ، وعلى الوجوه التي وجبت عليها ممن هو جاهل بالله
تعالى أو غير عالم به ، بل لا بد من تقدم معرفته تعالى بصفاته ومعرفة
صدق رسوله صلى الله عليه وآله وفي هذا أوضح دلالة على وجوب
المعرفة ، لأن ما لا يتم فعل الواجب إلا به لا بد أن يكون واجبا ، وليس
لأحد أن يقول : هذه العبادات قد تسقط عن بعض العقلاء لأعذار
معلومة فيجب أن تسقط المعرفة بسقوطها حتى يقضى على كل من لا يلزمه
فعل شئ من العبادات بزوال تكليف المعرفة عنه ، لأنه غير ممتنع أن
يرجع في ثبوتها على من سقطت عنه العبادات الشرعية لبعض العذر إلى
ضرب آخر من الاعتبار ، وهو أن الأمة مجمعة على أن سقوط فرض المعرفة
غير مانع لسقوط هذه العبادات ، وهذا ما لا خلاف فيه ، لأن من ذهب
فيها إلى الضرورة لا يجعل فرضها ثابتا على المكلف في حال من الأحوال ،
فكيف يجعل سقوطها تابعا لسقوط العبادات في بعض الأحوال ، ومن
ذهب إلى أنها اكتساب من أهل الحق لا شبهة في قطعه على عموم تكليفها
وأنها مما لا تتبع في الزوال العبادات الشرعية ، والذاهب إلى أنها تقع
هامش
( 1 ) أي شروط التكليف .